مرحبًا، يقول والدي دائمًا :

“الأحلام هي أغلى إرث يمكن أن يتركه الآباء للأبناء. فهي لا تنتهي، ولا تفنى.”

لكن، كيف يمكن للمرء أن يطارد حلمًا لم يكن يومًا ملكًا له؟

قصتي تبدأ من حيث انتهت قصة والدي. رجل أفنى حياته في البحث عن مدينة أسطورية تُدعى “مدينة الخلد”. مدينة قالت عنها الحكايات إنها إرث قوم عاد، خُلدت في كتب الأساطير لكنها اختفت كسراب مع مرور الزمن. قيل إنها مدينة خالدة لا يموت فيها أحد، مليئة بالكنوز، وأسرار لا يدركها عقل بشر.

كان والدي مهووسًا بهذه المدينة. أذكر لياليه الطويلة على ضوء الشموع، يقلب صفحات كتب قديمة، يبحث بين الخرائط عن خيط يقوده إليها. كان يقف أحيانًا أمامي، يضع يده على كتفي، ويقول بابتسامة مثقلة بالحنين:

“صاف، عندما تكبر، ستفهم.”

ثم في ليلة عاصفة، حمل حقيبته الصغيرة ورحل، تاركًا خلفه كلمات مختصرة في ورقة:

“إن لم أعد، لا تتوقف عن الحلم.”

لم يعد والدي أبدًا. مرت السنوات كأنها سراب، وأنا أراقب والدتي تقاوم وحش الحياة وحدها. كنا نعيش في بيت متهاوٍ، جدرانه تمتلئ بالشروخ، سقفه يتناثر مع كل عاصفة. بعد وفاة والدي، جاءنا رجل ثري بجيش من الرجال، كسروا بابنا بلا تردد وسرقوا كل ما تركه والدي من خرائط وكنوز. فعلوا ذلك تحت أعين الناس الذين اكتفوا بالمراقبة في صمت، كأنهم أصنام لا تجرؤ على التحرك أو النطق.”

“ديون والدك يجب أن تُسدّد.”

قالها الرجل دون أن يرف له جفن، بينما والدتي تتوسل وتبكي.

كان ذلك الرجل من أصحاب النفوذ، لا أحد يجرؤ على مواجهته، حتى رجال الشرطة. كان يستغل فقر الناس ليحولهم إلى عبيد تحت إمرته، وكانت والدتي واحدة منهم. عملت في قصره كخادمة، تعود كل ليلة متعبة، تحمل لي بقايا الطعام، ثم تهمس لي بصوت خافت:

“لا تقلق يا بني، كل شيء سيكون بخير.”

لكن كيف يكون كل شيء بخير في عالم كهذا؟

عندما بلغت الخامسة عشرة، قررت أن والدتي عانت بما يكفي. أخبرتها أنني أصبحت رجلًا، وأن عليها أن ترتاح. بعد إلحاح طويل، وافقت، وبدأت العمل مكانها.

كان عملي في الحديقة. أعتني بالأزهار وأزيل الأعشاب، لكن داخلي كان يغلي كالنار كلما رأيت ذلك الرجل. في إحدى الأيام، وبينما كنت أعمل قرب شجرة زيتون قديمة، لفتت نظري وردة صفراء زاهية. كانت مشرقة وسط كل هذا البؤس. مددت يدي لأقطفها لأهديها لوالدتي، لكن صوتًا قاسيًا كالرعد أتى من خلفي :

“كيف تجرؤ؟!”

كان الرجل الثري يقف أمامي، عصاه الخشبية في يده. لم أتمكن حتى من الرد. اقترب مني وضربني بعصاه حتى بدأ الدم يسيل من يدي.

“ هذه الزهور ليست لك ولا لأمثالك، أبعد يديك القذرة عنها فورًا، كيف تجرؤ على تدنيس جمالها؟!”

قالها بصوت ملؤه الاحتقار، وكأنني لست أكثر من نفاية في نظره.

جلست قرب الشجرة، أمسك بيدي الدامية وأبكي بصمت. لم يكن الألم الجسدي هو ما سحقني، بل الشعور بالعجز. ذلك الإحساس بأنك ضعيف، بلا حول ولا قوة، كان كالخنجر في صدري.

لكن بينما كنت غارقًا في ظلام أفكاري، تسللت إلى أنفي رائحة عطرة، ناعمة كنسيم الربيع. التفت لأجد فتاة لم أرَ مثلها من قبل. كانت ترتدي فستانًا أبيض وشعرها الأصهب يتطاير حول كتفيها، عيناها تشعان بالهدوء.

تقدمت نحوي بخطوات واثقة، ثم قالت بصوت رقيق :

“دعني أرى يدك.”

نظرت إليها مذهولًا، لكنني مددت يدي دون تفكير. بدأت تنظف الجرح بقطعة من القطن، ثم لفته برباط أبيض، وعيناها تنظران إلي بشفقة لم أعتد عليها. لم تنطق بكلمة أخرى. انتهت من عملها، ثم رحلت بخفة النسيم، تاركة خلفها أسئلة لا حصر لها.

“من تكون؟ ولماذا ساعدتني؟”

كانت تلك اللحظة أشبه بنقطة تحول. شعرت بأنني للمرة الأولى لست وحيدًا تمامًا في هذا العالم.

عدت إلى المنزل تلك الليلة، ووالدتي لاحظت الرباط على يدي. سألتني عما حدث، لكنني اخترت الكذب لأول مرة:

“سقطت.”

لم أشأ أن أضيف إلى أعبائها شيئًا.

لكن تلك الليلة، شعرت بشيء مختلف. كأن تلك الفتاة أشعلت في داخلي شعلة صغيرة وسط هذا الظلام.

في اليوم التالي، استيقظت وأنا أشعر بطاقة لم أشعر بها من قبل. توجهت إلى القصر، لكنني وجدت شيئًا غريبًا. ساحة القصر كانت تعج بالناس. كان هناك صفوف طويلة من الرجال والفتيان، يصرخون ويتجادلون. بدا كأن شيئًا غير طبيعي يحدث.

رأيت فتى في مثل عمري يقف أمامي، يتلفت حوله بقلق كمن يبحث عن مخرج أو يخشى أن يباغته خطر غير منظور. اقتربت منه، وهمست بصوت خافت:

مرحبًا، يا هذا… ما الذي يجري؟ ولمَ هذا الاصطفاف؟ لم أشهد هذا البارحة.

رفع حاجبيه مستغربًا ورد بنبرة مزيجها جدية واستهجان:

قبل أن تسأل، نادني “أكنان”، وليس “يا هذا”.

أعتذر.

أكنان (بابتسامة خفيفة): لا عليك. تبدو جديدًا هنا، أليس كذلك؟

 نعم، اليوم هو يومي الثاني.

مد أكنان يده مصافحًا:

سررت بلقائك.

فبادلتُه المصافحة قائلاً:

وأنا كذلك.

ثم أكمل بنبرة مليئة بالفضول:

ما الذي أتى بك إلى هذا المكان الكئيب؟ أهو الدين أم أمر آخر؟

نعم.

أكنان (وهو يضع يده على خاصرته): حسنًا، دعني أخبرك عن النظام هنا. كل صباح، قبل أن نبدأ العمل، نصطف لتشكيل صفوفنا. بعدها يوزعون علينا المهام. وهي بالمناسبة تتغير يوميًا.

صاف: شكرًا لتوضيحك.

(ملحوظة : صاف بدأ عمله البارحة عند الظهيرة، لذا لم يشهد طقس الاصطفاف الصباحي.)

بينما كنا نتحدث، لاحظ أكنان قطعة قماش تلف يدي، فسأل:

ما بال يدك؟

شعرت بتطفله وقررت الرد بسؤال مماثل:

وما بال عينك أنت؟

تغيرت ملامح وجهه فجأة، وظهر عليه شجن عميق كأنني فتحت جرحًا قديمًا. كان مطموس العين اليسرى. أسرعت بتدارك الموقف وقلت:

أعتذر، لم أقصد مضايقتك.

أكنان: لا بأس. لم يحدث شيء. وأنت؟

مجرد سقطة لا أكثر.

أكنان (بابتسامة جانبية): لا أصدقك، لكن كما تشاء.

ولمَ لا أقول الحقيقة؟ ما الذي يمنعني؟

أكنان: حاولتَ قطف زهرة، أليس كذلك؟

صاف (بدهشة): وكيف عرفت؟

 ليست المرة الأولى التي يحدث فيها شيء كهذا.

صاف: حقًا؟ وهل حدثت كثيرًا؟

قبل أن يُكمل، قاطعنا صوت حاد صادر عن حارس البوابة:

ما اسمك أيها العبد؟

أكنان.

والآخر؟

صاف.

الحارس (يشير بعصاه المعدنية نحو بوابة صدئة على الجانب): حسنًا، تقدما. اليوم دوركما في الحظيرة. تأكدا أن لا شيء يخرج منها… أو يدخل إليها. 

دخلنا عبر البوابة، وإذا بمشهد الحظيرة يلوح أمامنا. كانت مساحة واسعة تفوح منها رائحة القش الطازج، ممتزجة برائحة الحيوانات التي بدت في حالة جيدة. الأبقار الممتلئة تجلس على الأرض بهدوء، تجتر طعامها وكأنها لا تكترث للعالم حولها. الخراف السمينة كانت تتنقل ببطء، تغمرها راحة العيش، بينما الخيول التي تلمع أجسادها من النظافة تقف بثبات بجانب أحواض الماء الواسعة.

على الجدران المتهالكة، تبرز خطافات معدنية معلقة، وبعض الأدوات التي تستخدم للعناية بالحيوانات. في الزاوية البعيدة، تراكمت أكوام القش ، جاهزة للتوزيع. في الحظيرة كان هناك نظام واضح، حيث بدت الأعلاف منتشرة بكثرة في الأرجاء، ما جعل الحيوانات في حالة شبع وهدوء ملحوظ.

سألته همسًا بينما كنا نقترب من مركز العمل:

• ما الذي كنت ستقوله؟

• تريث. دعنا نذهب إلى الحظيرة أولاً، ثم أُكمل.

• صاف: يبدو أنك تعرف كل شيء هنا.

• أكنان: نعم.

• كم لبثت هنا؟

تبدلت ملامح أكنان اللطيفة فجأة، وبرزت عروق الغضب في وجهه كأن صبره على وشك النفاد. أجاب بنبرة ممتعضة:

• خمسة أعوام.

اقتربنا من صفٍ من العمال، كل منهم يحمل أداة بيديه. كانت مهمتنا واضحة: تنظيف الحظيرة ، تنظيم الأكوام المتناثرة من القش، والتأكد من أن المياه متجددة ونظيفة دائمًا. العمل بدأ شاقًا لكنه منظم، والروتين فيه يحكم كل شيء.

شعرت بالثقل في صوته وقلت:

• هل تمانع أن تحدثني بقصتك لاحقًا، حين تهدأ؟

• لا أمانع. في استراحة الغداء إذًا.

• صاف: حسنًا.

(رنين جرس يدوي يصدح في الأرجاء.)

• الحارس: اصطفاف!

سألت أكنان بينما كنا نتحرك:

• ما الذي يحدث الآن؟

• إنه موعد الغداء. هيا بنا.

وصلنا إلى الساحة المزدحمة، فرأيت الجميع يحمل أوعية في أيديهم. سألت باستغراب:

وصلنا إلى الساحة المزدحمة، فلاحظت أن الجميع يحمل أوعية في أيديهم. سألت باستغراب:

ما هذه الأوعية؟ ولماذا الجميع يحملها؟

أجاب أكنان:

الجميع هنا يحمل وعاءً. بدون وعاء، لن تحصل على الطعام

وماذا أفعل الآن؟

أكنان: لا طعام لك إذًا. أنصحك باستعطاف الطاهي، فقد يساعدك.

وكيف استعطفه ؟

أكنان: الأمر بيدك. افعل ما تشاء، لكن بدون وعاء، ستغادر جائعًا.

تقدّم أكنان إلى الطاهي وقال بهدوء:

تفضل وعائي.

أخذ طعامه وغادر ليجلس تحت شجرة ويراقبني بعينيه الفضوليتين.

عندما جاء دوري، اقتربت من الطاهي مترددًا ماذا أفعل الآن؟ إن لم أتناول الطعام، كيف سأتحمل بقية اليوم؟ لكن لا مجال للاستسلام. سأتوسل إن اضطررت.

الطاهي: التالي! ناولني وعاءك.

صاف: لا أملك وعاءً.

 إذًا، لا طعام لك.

أرجوك، سيدي أشعر بجوع شديد. كيف لي أن أعمل إذا لم أتناول طعامًا؟

الطاهي (بحدة): هذا خطؤك، لا تلُم إلا نفسك.

فكرت مليًا، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وقبل أن أتراجع عن فكرتي المجنونة، ضممت يديّ كوعاء وقلت بحزم: ضع الطعام في كفي إذًا.

توقف الطاهي عن الحركة للحظة ونظر إلي كأنه يشكك في سلامة عقلي:

هل جننت؟ كيف ستتحمل حرارة الحساء؟

صاف: لم أجن. أعي تمامًا ما أقول. افعلها وسترى.

أغمضت عينيّ بقوة، وأخذت أحرك شفتي بصمت كمن يستعد لتلقي الألم. كانت أنفاسي متلاحقة، لكن مظهري بدا ثابتًا. ربما هو الخوف، وربما هو الإصرار الذي دفعني لذلك.

رأى الطاهي إصراري وتأثر بثباتي، فرقت ملامحه وقال بنبرة أقل حدة : تنهد يا فتى، لقد أثرت إعجابي بشجاعتك. خذ وعائي هذا، لكن أعِده بعد أن تنتهي، ولا تنسَ إحضار وعائك غدًا.

تناولت الطعام وجلست بجانب أكنان بصمت، لكنه كسر الصمت مُتعجبًا:

أكنان: هل جننت؟ طلبت أن يسكب الحساء في كفيك؟ هذا جنون محض!

صاف (مبتسمًا): ألم تقل استعطفه؟ هذا ما فعلته. هل أعجبك ما رأيت؟

أكنان (ضاحكًا): عليك اللعنة! أنت بارع. لم أتوقع منك هذا المستوى البتة .

ضحكنا معًا، ثم نظرت إلى الطعام المكون من حساء وقطعة خبز وقلت: بقايا الطعام التي كانت تحضرها أمي أفضل من هذا.

أكنان: لا تتذمر. أحيانًا يأتي الأسوأ.

صاف (متأملاً): معك حق.

ثم استدرت إليه بحماسة: أخبرني، ما قصتك؟ الفضول يقتلني.

ضحك أكنان وقال: أعلم أنك فضولي. رأيت ذلك في عينيك. سأخبرك…

لمعت عيناي فجأة. شعرت أنني سمعت هذه العبارة من قبل. لكن… أين؟ بدأت الذكريات تتداعى في رأسي .


ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا

Rim4
26 Nov 2024 11:26

من أروع الروايات التي قرأتها ، من تطور لتطور ياسيف 👏🏼🧡