الفصل الثاني
ست ساعات داخل المغارة.
حاولتُ تركيب أجزاء الكاميرا فصعب عليَّ إعادة كل جزء في مكانه، بعضها قد انكسر ويستحيل أن تعمل دون استبدالها بالكامل مع ذلك واصلت. أعاقت القفازات عملي فنزعتها وأعدتُ تثبيت القطع بصورة أدق ولكن دون جدوى. ألقيتُ نظرةً على بقيّة المجموعة فبعد سيرنا الطويل تمكّنَ الجوع منّا وأخذنا استراحةً لنأكل. مؤسفٌ أن لا أحد حمل حقيبته سوى كريم فلزم أن يُقاسمنا ما فيها من طعام نسد به رمقنا بضع ساعات. جاء كريم ليناولني حصتي؛ قطعة بربع الكف من فطيرة جبنة مغلّفة وبعض رقائق البطاطس بالفلفل. قال:
«هذا كل ما لدينا».
لم يسعني الوقت لألبس قفازي فمددتُ يدي لآخذ حصتي وظهر معصمي تتخلله بقع بيضاء متفرّقة. نظر إليها في صمت، لم تكن المرة الأولى ولكن قلّما سمحتُ لأحدٍ أن ينظر إلى المناطق التي يظهر فيها بُهاقي بوضوح. قلتُ قاصدةً تشتيت انتباهه:
«عندما نخرج قد نتجه معًا إلى مكان التصليح فكاميرتي محطمة».
ابتسم محرجًا:
«آسف على ما حدث».
«لا عليك، تطلّب الأمر أن أفعل ذلك، كما أن محتويات ما التقطته محفوظة».
عاد إلى صاحبيه فعاودتُ جمع محتويات الكاميرا ولففتها في الحقيبة القماشيّة وشرعتُ بتناول الطعام. أراد نديم بعد أن استرحنا أن نتقدّم قليلًا ليس بحثًا عن مخرج وإنما لإيجاد مكانٍ ننام فيه، لم يعد ضوء الشمس يلج إلينا من أي شِق فلا بد من أنها قد غربت. كان لحقيبة كريم منافع كثيرة فقد كان يحمل فيها كشّافين احتياطيين إنما لم يكن متأكدًا من مدى امتداد عمر بطاريتهما. في أثناء تقدّمنا بدت لنا الممرّات متشابه فاخترنا إحداها لنبيت، وانزويتُ إلى بقعة تبعد عنهم بضعة أمتار، وحين أصبحتُ وحدي نزعتُ قفازاي والنظارات، كانت تغطي محيط عيني كله حتى منتصف خدّاي، تعمّدتُ أن تكون كذلك وكنتُ متعبة من النظر خلالها طوال اليوم خصوصًا مع اشتداد الظلمة، ولكن ما زلتُ لم أتقبّل بعد استراق النظرات إلى البقع حول عيني. يحاول كل من قابلتهم أن يشعروني بالراحة حول البقع في جسدي ولكنهم يمضون في فعلها بطريقة غير مريحة بالنسبة إليّ. كوّمتُ غطاء رأسي لأصنع منه وسادة فأتى نديم وسلّمني إحدى الكشافات فقد أحتاجه ليلًا.
ستة عشر ساعة داخل المغارة.
أفقت بينما أسمع نقاشًا جادًا يجري حولي، كان اجتماع الصباح الذي اتفقنا بالأمس على إجراءه قد بدأ من دوني ولم يكن فراشي الصخري مريحًا فلم أطل البقاء فيه. مشيتُ مسافةً تكفي لسماع خفوت أصواتهم كي أقضي حاجتي، لا ماء يكفي ولا تربة فصلّيتُ كما أنا وبعد أن فرغتُ انضممتُ إليهم. نديم كان لا يزال يقول:
«لا بد من أحد قد تنبه إلى غيابنا فموقع المغارة يسمح بأن يمر عليه الناس. ولا بد أن أحدهم سيحتاج إلى التزوّد بالماء فيلاحظ سيارتنا ويُبلغ عن اختفاء أصحابها. وربما تكون المساعدة في طريقها إلينا».
كلنا وافقناه فهذا ما آمنّا حقيقةً بإمكانيّة حدوثه. قلت ناظرةً حولي:
«ولكننا توغّلنا في المغارة أكثر فهل سيجدوننا؟»
«بِلا شك لذا أقترح ترك علامات تدل على وجودنا في الأماكن التي نمر بها».
قال أصيل:
«وإن لم يفعلوا فسنجد مخرجًا آخر».
وافقناه كذلك، فهذا ما أردنا تصديقه أيضًا. تابع نديم:
«نحن بحاجةٍ إلى خطة أولًا. لا نملك إلّا حقيبة واحدة، لنطلع على ما تحتويه حتى نحسن استعمال ما لدينا وقت الحاجة».
فتوجهت أنظارنا نحو كريم الذي جلس مقرفصًا مرخيًا ذقنه على حقيبته ومصغيًا للنقاش إلى حين طُلب منه مشاركة حقيبته. تردد كريم! ومرةً أخرى قال أصيل:
«هيّا اعرض علينا ما في الحقيبة»!
وقف كريم وما زالت أنظارنا تتبعه، رفع حقيبته كذلك ليعلّقها على ظهره ورد علينا:
«بالنسبة إلى الطعام.. لم يتبقى شيء».
«لا بأس نبحث عن أشياء أخرى غيره، لنرى ما في الحقيبة».
«في داخلها أغراضًا تخصني وحدي».
ضحك أصيل، ولكنها لم تكن ضحكته المعهودةً بالنسبة إلي، وأردف مصرًّا:
«هذا ما أقصده، ما يخصك قد ينفعنا ونحن محتجزون هنا».
«ولكني لا أرغب بعرض خصوصيتي على الجميع».
قال كريم فأمعن أصيل النظر فيه مستنكرًا، وشعرتُ بغرابةً بينما أنظر إلى نديم ويبدو أنه شاركني الشعور فتدخّل:
«إن كنتَ لا تريد عرض محتوياتها فلا أهتم، ولكنك مُجبرٌ على أن تمدنا بأي غرضٍ قد نحتاجه خلال الساعات القادمة».
ما قاله نديم لم يُقنع أصيل كما بدا، فوقف هو الآخر وخطا باتجاه كريم بضع خطوات يسأله:
«ما الذي تخفيه في الحقيبة؟».
ولاحظتُ أن كريم تهرّب من الإجابة ثم قال بعد لحظةٍ من الصمت.
«كما قال نديم سأشارك بأي شيء قد نحتاج إليه خلال الساعات القادمة إن كنتُ أملكه».
ثم التفت وابتعد فانتهى النقاش بصمتنا. لم نملك شيئًا نأكله، ارتشف كل منا قنينة مائه وانطلقنا.
وضع نديم خطةً تضمّنت البحث عن الشقوق واستغلال ما يسمح لنا أن نعبر داخلها بعد أن حاولنا طلب المساعدة من هاتفه فقد سَلِمَ من كل ما مررنا به ولكن دون استجابة. صادفنا أيضًا عش طائرٍ فارغ داخل تجويف ما وكان هذا دليلًا على وجود مخرج قريب. سار نديم في مقدمة الصف إلى جانب أصيل وكنتُ أسير خلفهما وأُبطئ من حركتي ليلحق بي كريم ولكنه تعمّد أن يبقى في الخلف. بدا أن وزن حقيبته يُثقله، ففي الأمس تناوب هو وأصيل ونديم على حملها ولكن بعد ما حدث لا أظنه يرغب في أن يشاركه أحدٌ حملها.
توقفنا عن التقدم لأن الطريق انتهى! حطّمت النهاية المسدودة كل أمانينا بالعثور على مخرج ولدقيقتين وقفنا دون أن ننبس بكلمة فرفرف طائر كاسرًا الصمت واتبعناه بنظرنا. لا بد من أنه عائدٌ إلى العش الذي صادفناه قبل قليل وقد قادنا دخوله على حين غُرّة إلى الشِق الذي دخل منه، وكنّا سنمر خلاله فقط لو كنّا بمثل حجم الطائر أو أقل. إن لم نرغب بالعودة أدراجنا فأمامنا حلٌ أخير للتغّب على النهاية المسدودة وهو تسلّقها. أواصل متابعة علّو الحاجز بصخوره الشائكة شديدة الانحدار على يميننا، فلا شيء يضمن لنا إن نجحنا بالوصول إلى القمّة تحقق أملنا في إيجاد مخرج.
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا