الفصل الثالث






عشرون ساعةً داخل المغارة.


يستحيل تسلق هذا الحاجز فارتفاعه شاهق. كانت هذه أول فكرةٍ خطرت علينا لا سيما إذا حاولنا تسلّقه دون أدوات حماية، قد ينتهي الأمر بكارثة فلم نُغامر. افترشنا جانبًا من الأرض، راح نديم وأصيل يتحدثان بينما واصلتُ مراقبة كريم. منذ وصلنا لم يشاركنا الحديث، جثا على بعد مسافة وطفق يبحث في حقيبته عن أمرٍ ما. سألني شقيقي عن رأيي في اقتراحهما فقلت:

«آسفة لم أكن أنصت إلى ما قلتماه».

«يرغب أصيل بتجربة الأمر أولًا، يريد أن يختبر مهارته ولكننا قد لا نقوى على التسلق مثله».

نظرنا جميعنا إلى الحاجز، وأصيل أطال النظر إلى الزوايا الوعرة تحديدًا ثم هزّ رأسه وقال:

«يمكنني اجتيازه. وسأبحث عن مخرج بعدها ثم أعود ومعي مساعدة».

وافقتهُ فقلت:

«أظن أننا مجبرون، فلا سبيل نملكه». 

ثم نظرتُ إلى كريم وتابعت:

«يجب أن نُعلمه بما سنقوم به».

واعترض أصيل قائلًا: 

«بعد أن رفض تقديم المساعدة لن أكلّمه، دعيه يكتشف بنفسه ما نحاول فعله».

«لا أظنه يرفض تقديم المساعدة فقد شاركنا طعامه بالأمس».

«وكيف تفسرين ما فعله صباحًا؟»

«ربما يملك سببًا».

لكن أصيل لم يرد عليّ، ونهض ليستعد. تخفف من كل حمل زائد يملكه فتشاركتُ أنا وشقيقي الأحمال، استعمل حزام بنطاله ليثبّت قنينة الماء على خصره، وأخذ كشّافه وربطه بلفة قماشية على محيط رأسه ثم ألقى نظرة أخرى فاحصةً إلى أعلى. لم يعنِ لي فحصه أنه متردد، كان فقط يقيس العواقب المحتملة كعادته. انشغل شقيقي معه بمحاولة رسم مسار يتسلّق فيه متجنبًا الصخور الشائكة فتركتهما واتجهتُ إلى كريم. 


لم أرى في محتويات حقيبته التي بعثرها أي أمرٍ مُريب! كما أظهر لنا صباحًا فتساءلت عن سبب منعه إيّانا من تفتيشها، وأنا أقترب حاولتُ ألّا أفاجئه فأصدرتُ صوتًا يُنبئُ بوجودي، ولكنه لم يلتفت. أعدتُ تثبيت نظاراتي أو تظاهرت بذلك بينما أقول:

«لقد قرر أصيل تسلق الحاجز».

«وجدتها».

«ماذا؟»

كنتُ أنظر إليه من جانبي الأيسر والتفت عندما رفع أمامي كومة من حبال ملفوفة، واصل:

«كانت في قاع الحقيبة لذا استغرقتُ بعض الوقت».

فالتفت وصرخت:

«انظرا، لدينا ما نحتاجه».


وضعنا لفة الحبال أمامنا وتحلّقنا حولها فقد تغيّرت الخطة. 

شاركنا كريم بمعلومة:

«لا تقلقوا من كون الحبل رفيع، هو قادرٌ على تحمّل أوزانٍ عالية بلا أية مشكلة».

 وشرح لنا أصيل من جديد ما سيُقدِمُ عليه:

«راقبوا جيدًا هذا هو المسار الذي سأتبعه، قد يتغيّر إذا كانت هناك حاجة. وحين أصل إلى القمة أعقد الحبلَ على صخرة هناك وأدليهِ لكم فتتبعون المسار ذاته بينما أواصل إرشادكم من الأعلى». 

ثم على مضض سأل كريم ما إن كان يملك معدّات تحفظ لنا سلامة مرافقنا من الاحتكاك بالصخور فأجاب:

«ما العمل أملكُ فقط قبعة من الصوف، ربما إن استطعنا قصّها فيمكنك أن تلفَّ أجزاءًا منها على مرفقيك».

ولكن أصيل لم يقبل بعرضه رغم أنه سأل. اقتربتُ منه وهمست: 

«لم يتخلّى كريم عن مساعدتنا كما حسبت، ربما تطفّلنا عليه بإجباره على ما لا يود إطلاعنا عليه». 

«نعم أتفق».

 ولكنه قالها بوجه يخلو من التعابير فصعُبَ عليَّ فهم مقصده.


انطلق يرسم لنا المسار، وكنتُ أراقبه باهتمام للسير على خُطاه. في طفولتنا كنّا نقطن بجوار ساحة رملية كبيرة لم تُبنَ بعد، ذات يوم صنع العمال قممًا مخروطية من الرمال فأصبحنا نلعب فيها. كان أصيل سيد تلك القمم كلها إذ كان أسرع الأطفال تسلقًا، ولم أحظى يومًا بمتعة التسابق إلى القمة، امتنعتُ بينما أتساءل في داخلي: ماذا إذا انكشف جزءٌ من جسدي وظهر تباين البقع في جلدي؟ لم أتسلّق أي تلة مهما صغر حجمها ناهيك عن هذا الحاجز الكبير.


لا زال أصيل يفرد جسده على الصخور، وكلما علا زاد الخطر فأصبح تشبّثه بالصخور أكبر. وحتى التفاتته للبحث عن مساره قلّت، فقد يختل توازنه ولكن التوجيهات وصلته من الأسفل. أبعدتُ عيني عنه قليلًا فلم تكن حركته سريعة كما تخيّلت. وتولّى كريم أمر إرشاده حين اتجه شقيقي نحوي وقرفص جواري. قال بعد ما ربّت عليّ:

«آسف قلت سأصحبكِ في رحلة والآن نحن عالقون في كهفٍ غريب».

قلتُ مكملة ما لحقني إزاء الرحلة:

«وشوقي لوالدايّ يزداد، وكاميرتي محطمة».

قال عازمًا:

«أشتاق لهما أيضًا. ولا تقلقي عندما نعود سأجمع ما في حصّالتي وأصلحها لكِ».

صدّقتهُ تقريبًا إلّا أنني تذكّرت:

«ولكنك لا تملك حصّالة!»

أشاح بوجهه، ثم ضحك:

«حاولتُ التهرّب من مسؤولية إصلاحها لكِ».

«لعلمك لن أرضى بأقل من أن تعود كاميراتي كما كانت».


نبهنا أصيل أنه اقترب، أصبح صوته يصلنا من بعيد، هتفنا له متسائلين عن الناحية الأخرى، وقال جملة طويلة لم نسمع منها إلّا أن الحال على ما يُرام. ألقى إلينا بالحبال فرسم لنا مسارين اثنين، اتفقنا أن أصعد ونديم هذه المرّة. بدأتُ أستعد بأن ربطتُ الكاميرا بالشال الذي أملكه وتركتها تتدلّى من كتفي إلى الوراء ثم عقدتُ الحبل مرتين على خصري وصرتُ جاهزة حينما وقفتُ إلى جوار شقيقي الذي سبقني ليقوم بالخطوة الأولى ثم قال: 

«ابدأي بإمالة نصفك العلوي إلى الوراء ثم ارفعي قدميكِ لتثبّتيها على الجدار واحدة تلو أخرى، ستكون حركتك متناغمة إن فكّرتِ بأنكِ تسيرين على سطح مائل وسيساعدك الحبل في إرخاء جسدك عندما تكوني بحاجةٍ إلى راحة».


تبعتهُ وقف كريم خلفي في حال احتجتُ إلى مساعدة لكنني نجحتُ بتثبيت نفسي على الجدار وأصبحتُ أرى سقف المغارة من منظورٍ مائل تمامًا. سرنا بضعة خطوات إلى جوار بعضنا حطت قدمي اليُمنى على موضع تفتت صخوره فانزلقت، وبينما أبقيتُ بصعوبة قدمي الأخرى مثبّتة على الجدار. سارع نديم إلى إسنادي بجسده قبل أن أفقد توازني بالكامل. وشعرتُ بالروع إلى حين أعدتُ تثبيت قدمي وطلبتُ استراحةً من الصعود فقال لي:

«قبل أن تثبتي خطوتك جرّبي أن تضغطي قليلًا على السطح، سيجعلكِ هذا تعرفين ما إذا كانت الأرضية ثابتة وإذا ما تفتت الصخور أثناء ضغطك فالأفضل أن تجدي موضعًا آخر».


أفقد تركيزي لبعض الوقت درجة أنني أكتم نفسي، وأشعر بحرارة في وجهي كأنني أوشك على الاختناق قبل أن أنتبه وأسمح للهواء أن يعبر رأتيّ. كانت حركة الكاميرا متناغمة معي ولذا واصلت الارتداد على ظهري حتى أصبحتُ أشعر بالألم. ويبدو أنني كنتُ آخذ وقتًا طويلًا قبل اتخاذ قرار فطلب مني نديم ألّا أفقد حسي بالاتجاهات وأضاف:

«بعد كل أربع خطوات ألقي نظرة إلى الأعلى. سيعينكِ ذلكَ على احتساب المخاطر، وعندما يكون الطريق وعرًا فسيسهل عليكِ التحرّك إلى الجانب قبل مواصلة الصعود».


بفضل تعليماته أتممتُ الصعود برغم أننا استغرقنا ضعف المدّة التي استغرقها أصيل وحده. بقي علينا انتظار كريم، كانت القمّة التي تجمّعنا عليها مستوية ولكنها ضيّقة ولها أطرافٌ منحدره في الآن ذاته. شعرتُ بالفضول ومددتُ رأسي لأنظر من الحافة فأصابني دوار. يكون النزول عادةً أسهل من الصعود كما قالوا لي، ولكني عدّيتهُ أصعب فمنظر الصخور الشائكة أراعني رغم أن كل ما عليَّ فعله أن أتبع المسار الذي سيُرسم لي.


حين وصل كريم مد يديه متلمسًا القمّة، كان أثقلنا حجمًا ويلهث من أثر الصعود فسارع نديم إلى جذبه من يديه وأمسك أصيل بالحقيبة. شدّها بقدر المستطاع فانفلتت وعاد هو إلى الوراء بضعة خطوات محاولًا السيطرة على نفسه. طار حبل الحقيبة فتدلّت وبقيت عالقة بكتفه الأيسر وانصبّ ثقلها على جانب واحد. صاح كريم: «لا يمكنني أن أفقدها». طلب منه نديم دفعةً بسيطة يرفع بها نفسه عن الحافة فيسحباه لكنه كان مرهقًا بما يكفي ليقوم بخطوةٍ أخيرة. اقتربتُ لأمسك طرف الحقيبة الذي بقي معلّقًا، قلتُ أني لن أفلتها حتى يصعد فغمر الارتياح ملامحه. أخيرًا أعطى نفسه الدفعة التي يحتاجها فأدركناه وصار على القمّة.


أرخينا الحبل على الجانب الآخر وكلّ ما كان بانتظارنا مزيدًا من الصخور. مع ذلك تناهى إلى مسامعنا صوت خافت، بدا كخرير ماء. نحن في حاجةٍ إلى إعادة تعبئة قنانينا، قنينتي كانت فارغة ولم أجرؤ على أن أصرّح بذلك فلم أرد أن يشاركني أحد آخر ما تبقّى لديه. شرح لي نديم طريقة النزول: «الأمر يشبه السقوط، ستتركين جسدك يسقط بينما تتحكمين بسرعتك بالإفلات والقبض على الحبل». كنتُ واثقة من أنني فهمت ولكنني علقتُ في المنتصف بينما كنتُ أنزل، ثُقب طرف معطفي بصخرة ناتئة وبينما واصلتُ النزول سمعت صوت تمزّقه فأبطأتُ سرعتي وكان الأوان قد فات. دفعتُ نفسي إلى الوراء قليلًا فاتمزّق أكثر حتى خرج من بين صخرتين وواصلتُ بهدوء إلى أن هبطت بسلام. 


تفقدتُ طرف معطفي، إحدى جانبيه قد تمزّق، كان القطع بطول نصف ذراعٍ تقريبًا، وفي الجانب الآخر بدأت خيوطه تنسل إذ واصلتُ الاحتكاك بالصخور. أول مرة أرتديه وإن لم أتمكّن من إعادة تدويره فستكون الأخيرة. رغبتُ بتخليد حالة معطفي وما أصابه من تمزّق، حتى حينما أروي لاحقًا قصة رحلتنا هذه أدلل على أنها لم تكن مغامرةً سهلةً، فقط لو لم تُكسر كاميرتي. استمر أصيل يراقب عملية هبوط صاحبيه بينما بدأتُ أبحث عن مصدر الماء، قريب إلّا أنني لا أراه. ولكنه قادمٌ من هنا بلا شك. اقتربتُ من تجويف ضيّق ومُظلم، لا خيار أمامنا غير عبوره. وكا العادة لا تظهر نهايته من حيث أنظر. خُيّلَ إليّ أننا إن توغلنا فسنستمر في توغّله إلى الأبد. مقدّمته تنحدر إلى الأسفل، فإلى أي عمق ستنتهي بنا الحال يا تُرى؟ التفتُ عندما قفز الشابان من مسافة قصيرة على الأرض وبينما راحوا يظهرون بواطِنَ كفوفهم المحمرّة في وجه بعضهم كنتُ وحدي من أملك قفازات ولذا لم يتسبب الحبل باحمرار في يدي. أنظر إليهم ثم أعاود النظر إلى التجويف مبتلعةً ريقي.




ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا