الفصل الرابع
أربع وعشرون ساعة داخل المغارة.
تخلّيتُ عن نظاراتي بسبب أنها ضاعفت من العتمة، خلق ذلك إحساسًا بالترقب لما قد يظهر من أي مكان فرؤيتي امتدّت فقط إلى حيث يوجّه نديم الضوء. ولكن في سقف التجويف توجد تجاويف كثيرة تسمح لأن يختبئ أي مخلوقٍ داخلها. كنتُ الثانية في خط سيرنا، قريبةً منه إلى درجة أنني موشكة على الالتصاق به. الجدران لزجة وعن طريق الخطأ لمستُها فتركت أثرًا على يدي. ثمة بقعٌ يسيرة من الماء على الأرض وبطريقةٍ ما سمعنا صوت تقطير الماء متضخمًا لأننا كنّا داخل تجويف.
بفضل نديم نعبر هذا التجويف، إذ هو من نظّم الرحلة وعثر على هذا المكان لنملأ منه قنانينا. لم نتوقع أن تؤول بنا الحال إلى هنا، لذلك كان هو أكثر من يحاول ليخرجنا من هذا المأزق. كنتُ مهتمّة بالتقاط الصور، أردتُ أن أصنع موسوعة تخصني أوثقها بنفسي فصحبني إلى هنا.
يتبع أحدنا الآخر، قَطَعَ كريم من كان في آخر الصف الصمت حين قال:
«تخيّلوا أن ننتهي بطريقٍ مسدود».
فأجابه أصيل:
«بسيطة سنعود أدراجنا».
«بعد كل ما قطعناه»!
«نعم إن كان مسدودًا، لا نملك حلًا آخر».
«ماذا إن حدث أمر غريب؛ كائن أسطوريّ يتبعنا ويقطع علينا طريق العودة ثم يبقينا حبيسن قبل أن يلتهمنا ببطء».
فابتسمتُ لدعابته، هي تشبه فلمًا شاهدناه في الماضي.
شعرتُ باستدارة التجويف مرة ناحية اليمين وأخرى ناحية اليسار، ويستقيم الطريق من جديد قبل أن نقابل منحنى صاعد وآخر نازل، لكن كله يؤدي إلى اتجاه واحد. أخيرًا انتهى بنا الطريق إلى رؤية توهجٍ من بعيد، ضوءٌ مُزرَقْ ورائحة قويّة أظنها ناتجة من تراكم البكتيريا وتعفّنها. أسرعنا الخُطى فقد يكون مخرجًا، راح التجويف يتسع شيئًا فشيئًا، أصبح بإمكاننا السير إلى جوار بعضنا، نوشك على الانتهاء، أصبحنا نرى الفوّهة، صوت الماء يعلو وأخيرًا عندما صرنا على حافتها اتضح أننا نقف على حافة جُرف! ووجدنا أكثر من مجرد قطرات. كانت هناك بركة ماء تغطي الأرضيّة بكاملها، وعلى الناصية الأخرى تمتد اليابسة الصخريّة من جديد. إن أردنا الوصول إليها فعلينا أن نسبح، المشكلة أننا لا نعرف طبيعة الماء ولا ما يوجد بداخله، أنزل كريم حقيبته ذات الطرف الواحد متسائلًا:
«يا إلهي كيف سنعبر!»
ورد نديم بينما يطل بنظرة موسّعة حول المكان:
«صدقًا لا أعرف».
جلسنا على حافة الجرف لنعيد التفكير من جديد، نستمع إلى بعضنا إذ يمكن أن نجد ما يقودنا إلى حل. هزّ أصيل رأسه قائلًا:
«إن عدنا فلا شيء ينتظرنا، إلّا إن كنّا قد فوّتنا من غير قصد تجويفًا يقودنا إلى مسارٍ آخر».
«لا أظن، لقد حرصتُ على تفقد كل مكان ندخله بشكل جيد».
«لا خيار نملكه إذًا سوى التقدّم».
ننظر كلنا إلى الأسفل بينما نؤرجح أقدامنا من الحافة فيتابع أصيل:
«لو كان بإمكاننا وصل مسار الحبل إلى الناصية الأخرى دون أن نضطر إلى القفز داخل الماء».
وأقول:
«عادةً تكون هذه المياه راكدة وغير صالحة لأن يمسها البشر، قد نصاب بعدوى أو طفح جلدي إذا لامستنا».
«أتظنون أنه توجد كائنات داخلها؟»
يسأل كريم فيجيبه نديم:
«لا أظن رغم أنها تغطي الأرض بكاملها، لكنها ليست عميقة كفاية كما يتضح».
«كيف سنعرف إذًا؟»
ويعود لمشاركتنا اقتراحه حينما لا يجيبه أحد.
«لنلقي غرضًا ونرى ما سيحدث».
وبدا أنه الوحيد القادر على التخلّي عن غرض من حقيبته الثقيلة. فنحن نحتاج إلى ما نملكه. تابع:
«هيّا شاركوا معي ففي كل حال لا طريقة لنعبر الطرف الآخر إن لم نجتز هذه البركة».
أول من أيده أصيل، ابتعد عن الحافة وقال واقفًا:
«جيد ليضحي كلٌ منّا بغرض مختلف، نحتاج لاختبار طبيعة الماء في عناصر عديدة».
رحنا نبحث فيما يمكن تقديمه. معي قنّينة وكاميرا مهشّمة، لا شيء زائدٌ عن حاجتي بالفعل، أخرج كريم من حقيبته حافظة السمّاعات التي يستخدمها، وضحّى أصيل بقميصه ذو القماش الخفيف مبقيًا على نفسه معطفًا يدفئه. نديم ضحّى بعلبة مائه، احتاج لهاتفه حتى يضيء لنا الطريق. وفي النهاية استسلمت، قلت: هذا الجزء من كاميرتي يملك قطع غيار يمكنني استبداله عندما نعود. ثم وقفنا على حافة الجُرف، فبدأتُ أنا ألقيتُ القطعة البلاستيكية وبقينا معًا نرقب ردة الفعل عليها.
توقعتُ غليانًا في الأقل، فقاعات تصدر من غرق القطعة ثم بخار يظهر دالًا على تبخّرها. وقلت بعد لحظات:
«لم يحدث شيء!»
ورد نديم:
«انتظري قد يحتاج التفاعل إلى الوقت».
وانتظرنا نحو ثلاث دقائق، بدت كافية فخرجنا باستنتاج مستعجل، لا يؤثر الماء المشبوه على القطع البلاستيكيّة. ألقينا القماش، والحافظة، وقنينة الماء، خسرنا أغراضنا فحسب فلا شيء حدث بالفعل. وحين حاول كريم المساعدة بالبحث مجددًا في حقيبته قال أصيل:
«نحتاج إلى أحدنا لينزل. قد يلزمنا القيام ببعض التضحيات».
أثار دهشتنا جميعًا ولم يوافقه نديم حيث قال:
«لسنا مجبرين على ذلك، لنفكّر أكثر فلا بد وأن نعثر على حل».
«بل مجبرون، انظر نحن عالقون منذ يوم لا أحد يعرف مكاننا وبما أننا لازلنا نملك قدرةً قبل أن تتقطّع بنا السُبل لنحاول في الأقل».
«ومن سيتطوّع لمهمة كهذه؟»
حدقنا في بعضنا ثم قال أصيل:
«لا أعرف ولكن أعرف كيف أقلل المخاطر».
وابتعد قليلًا إلى حيث صخرة كانت هناك ثم ربّت عليها وقال:
«هذه مناسبة لتثبيت الحبل عليها، عندما ينزل أحدنا كل ما نحن بحاجته أن يختبر عدم خطر المياه علينا، يغمس يديه، يشرب شربة ويعود ننتظر قليلًا إن لم تؤثر عليه فبوسعنا أن نسبح إلى الناصية الأخرى».
مازال لم يتطوّع أحد، بدا القرار جللًا فراح كل واحدٍ يفكّر في عمق إلى ما قد يحلّ به. لم أضع نظاراتي منذ خرجنا من التجويف وكان النور المُزرَقْ يشع كاشفًا البقع حول محيط عيني، ولم أعبأ بما قد يفكر به أي شخص عني، حتى مع كونهم جميعًا منشغلين بالبحث عن النجاة لا عن الإشارة إلى نقصي. تأملتُ البُقع في جسدي، كانت تتوسّع معي كلما كبرت، في الماضي كنتُ أظن أن وضع أشياء غريبة عليها قد يشفيني منها، تمامًا كالزهرة النادرة التي تنبت أعلى الجبل وتكون مغامرة الحصول عليها مميتة. أظن أنني لا زلتُ متمسكة بفكرة مشابهة في ذهني؛ فربما تتكوّن في هذه المياه تركيبة تحد من أثر البقع على جسدي، وأنا أفكّر بذلك قررتُ أن أتطوَّع لأنزل.
كان نديم يفكّر بعمق درجة أنه ما عاد يسمعنا، أصيل كان غاضبًا أيضًا من أن اقتراحه سيُقابل بالرفض، كان ينتظر ردًا على تضحيته في تسلّق الحاجز الشائك والآن يقف متكئًا يحدق فينا منتظرًا موافقة أحدنا على ذلك. كريم بدا مترددًا هو الآخر كان أقربنا إلى الحافة وفي كل مرةً ينظر فيها إلى الأسفل يطلق تنهيدة عالية. قلتُ في نفسي: «ما الذي قد يُحدثه غمس طرف قدمي في البركة؟ إن أحسستُ بالخطر فعليَّ أن أسحبها وحسب». ثم خاطبتهم:
«يمكنني أن أفعل».
سمعني نديم ورد علي من بعيد:
«لا. ابقي جانبًا، أنا سأنزل إن تطلّب الأمر».
أيّد أصيل وكريم ما قلته، فلا بد أن سحبي إلى أعلى بعد أن أهبط سيكون أيسر بكثير. ولكنه لم يقبل. فاقتربتُ منه وقلت:
«لا أحد يملك خبرتك في إدارة المجموعة، فمن الأفضل أن تبقى وأذهب أنا».
«لا أقبل أي فعل قد يشكِّلُ خطرًا عليكِ».
«ولكنكم موجودون هنا، إن حدث أمر لا نتوقعه فبوسعك تقديم المساعدة، تذكّر أننا في حاجة إلى الخروج من هذه المغارة فنحن في يومنا الثاني».
لم يكن الحصول على موافقته أمرًا سهلًا ولكنه قبل في النهاية. بدأتُ أستعد، فتجمعوا حولي ليعطوني تعليمات النزول من جديد. أحكمتُ شد الحبل على خصري، واقتربتُ من الحافة وجلستُ استعدادًا للهبوط. مرة أخرى سيتوجب عليَّ السير على سطح مائل مواجِهةً السقف. نديم كان في المقدمة يشد الحبل، تحقق أصيل من أن الصخرة ثابتة، وكريم واصل تشجيعي. بدأتُ أنزل، خطوة خطوة، أرخي الحبل قليلًا وأحرّك القدم اليمنى، أثبتها ثم أحرّك اليسرى وعلى هذه الحال. كانت البركة خلفي، شعرتُ بدفء ينبعث نحوي كلّما اقتربتُ ولكن لم يكن في مقدوري رؤية مدى اقترابي منها فسألت بعد بضع دقائق:
«كم بقي على الوصول؟»
هتف كريم:
«قليلًا بعد استمري في النزول، سنخبرك عندما تصبحين قريبة لتستعدي».
واصلتُ لفترة ثم توقّفتُ عندما لم أستمع لتوجيهاتهم، فارق المسافة بيننا صار كبيرًا ولم يعد في استطاعتي رؤيتهم بوضوح، لم يجيبوا عن أسئلتي، فتجرّأتُ ونظرتُ خلفي، تُعد هذه مسافةً آمنةً للقفز ولكني لم أعدّه خيارًا أنسب لأنني انتظرت تأييدهم لي. أسمعهم يتحدثون ولكن لا أعرف ما يقولون وبدأتُ أشعر بحدوث أمر غريب بدايةً باهتزازٍ طفيف. نظرتُ إلى الأعلى، لحظات، ثم رأيتُ ثلاثتهم يحلقون في الهواء مدفوعين بتيّارٍ مائي قوي خلفهم. كان هذا آخر ما رأيته إذ من شدّة فزعي أفلتُ الحبل وسقطتُ في الماء قبلهم. وشعرتُ لحظتها بانفلات الصخرة التي شدتني تتحرك، أزعم أنها الآن مندفعة تجاهي وبقوة كافية لأن تسحقني تمامًا.
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا