اقترب هيكارو بخطواته المضطربة يجاهد تنظيم أنفاسه التي تقلصت أثر الركض، نطق بأحرفه المرتجفة:
- نحنُ في ورطة .. ورطة كبيرة ..
تشتت عيناها في الأرجاء، اتسعت شفتيه وبدأ في سحب الهواء، هرول كاغامي إليه، قبض على جانب ذراعيه ليثبته، أردف هيكارو مجددًا:
- سنموت .. سنموت!
هزّ كاغامي جسده يحاول إيقاظ هيكارو مِن نوبة الهلع، تساءل غافلًا عن ما يحدث:
- ماذا هناك؟ تحدث .. ماذا حدث؟ هل رأيت الببّغاء؟
شاعت صافرات الإنذار تضرب الحواجز بحدّتها تحذر مِن كارثةً ما، اِنتشرت الضوضاء في الأرجاء بسرعة برق، صاح السيّاح وكلاهما معًا بالرعب، جرّ كاغامي صديقه معه حين هرعت الأقدام نحو البوابة القسم، حاول هيكارو سحب نفسه مِن بين قبضة كاغامي، صرخ كاغامي حين وجد الصعوبة في جرّه:
- ماذا دهاك؟ أخرج معي الآن إنّها حالة طارئة ..
هزّ هيكارو رأسه نافيًا، أجاب بالتلعثم:
- لا .. لا أرغب في الخروج ..
- هيَّا !
سحبه من ذراعه بقوة، اِنتاب الجميع الفزع، اِضطرب المقرّ في ثواني معدودة، امتزج صخب الإنذار مع ضجيج صياحهم ..
خرجت الشهقات مِن الأفواه وإرتدّت الأقدام إلى الخلف عندما وصلت إلى البوابة لخروج، حينها داهم شخص ما البوابة وهو يصرخ بقوة حتى يتمكن الجميع مِن سماعه:
- ابقوا هنا .. لا تخرجوا، إلّا أن أردتم الموت .. تراجعوا الآن ..
دفع الحارس كاغامي ومَن معه إلى الداخل مِن ثمّ أغلق البوابة بإحكام، رفع كاغامي عيناه إليه، بدأ يتفحص هيئته مذعورًا بينما هيكارو ظلّ خلفه متمسكًا بقبضته بشدّة ويحاول جرّ كاغامي إلى الخلف، الشخص يرتد زيّ العمل فيبدو إنّه حارس الذي يعمل هنا، نظر كاغامي إلى الخلف حيث يقف هيكارو والذي تحت تأثير الصدمة، فقد الأمل في اِستجوابه، أمسك بيده التي تتشبث في طرف ذراعه وحاول التحرّر منها، صاح به مجددًا حين فشل في إبعاد قبضته القاسية عنه:
- دعني وشأني يا هيكارو !
فلت يده أخيرًا، تركه كاغامي جانبًا وهرول إلى الحارس، سأله متوترًا:
- ماذا يجري؟ ما الذي حدث؟ أحدكم يخبرنا!
أومأ له الحارس في حين استقام في وقفته، تحولت مقاسم وجه المتوترة إلى الصرامة، تحدث عاليًا لتصغي المسامع كلماته:
- لا تخافوا، سنخرج مِن هنا بأمان إن نصتوا إلى أوامري .. هناك .. هرب أسدٌ مِن قفصه .. وهرب الجميع .. لكن سنرى بهذا الشأن، عليكم البقاء هنا في وقت الحالي ..
تجمدت حركة الأشخاص المذعورين تحت الضوضاء، تأمل كلّ منهم الحارس بسذاجة، لن يفهم أيّ منهم عن ماذا يتحدث ...
ضحك كاغامي بخفة وهو يبتعد عن الحارس بضع خطوات، مِن ثم اِستدار إلى الأمام ورفع كفيه المنفرجة في الهواء يطمئنّ الأشخاص الذين ينظرون إليه بعد فهم، قال مسرورًا:
- لا تقلقوا! هناك أسدٌ هاربٌ مِن قفصه فقط .. الأمر بسيط ...
بعد ذلك جثّ على ركبتيه حيث هيكارو قرّر أن يستريح بعد أن ركض حين لمح الأسد وجوده وحاول ملاحقته، حدق هيكارو في كلاهما باِستياء، شعر بأنّ صدمته قد خفت قليلًا، تحدث كاغامي إليه بسخرية:
- هل كلّ هذا الهلع لأجل أسد؟ إنّه مجرد أسد! كُن رجلًا شجاع، لا تقلق سنكون بخير.
أبعد هيكارو مؤخرة جمجمته عن الحائط وتقدم إلى الأمام، خاطب كاغامي بهدوءٍ مريب:
- هل تمزح؟ أم إنّك جننت؟ ها يا صاح؟
أشار كاغامي بعدم اِكتراث ونهض وهو يقول:
- لا علينا، دعونا نبحث عن المخرج.
أثناء ذلك تجاوزه شاب الكوري وتقدم نحو البوابة، حاول فتح الباب الذي اغلقه الحارس، ومِن خلفه توقف شخصان باِنتظار أن تفتح البوابة، اِمتنعت صفارات الإنذرا عن الضوضاء، وتوقف الشاب عن المحاول، تعالت الرؤوس إلى الأعلى بينما الأعين المتعجبة تتفحص الأجهزة التي تستقر على الأسقف ...
خاطب حارس كاغامي وهيكارو تاركًا مِن خلفه ما يحدث، أردف بالثبات:
- لا مخرج! رأيت هذا الشاب يركض إلى هنا فركضت خلفه لأنّه القسم الأقرب، الجميع هرب وأنتم هنا محاصرون، وأثناء ما كنت أركض لأعبر بوابة الخارجية، ضغط حارس الآخر على أزرار التحكم بطريقة عشوائية عند خروجه فاِنغلقت البوابة، وشاع هذا الإنذار، الأحمق لم ينتبه للأشخاص الذين في الداخل. ربما ستنطلق الحافلة وتعود إلى المدينة، لا أعلم إن سيعود أحدهم لأجلنا أم لا، ومتى ...
نهض هيكارو بهدوء وقد عاد الوعي إليه، صفق يداه ببعضها ليبعد الأوساخ أثناء ذلك تحدث إليهم:
- والهواتف ليست معنا، لقد سلب الحارس منّا الهواتف عند البوابة ووضعها في الخزنة، قال ممنوع التصوير! في أيّ زمن نحنُ؟ وما هذهِ القوانين الصارمة! في نهاية المطاف إنّها حيوانات هل تحتاج إلى خصوصية؟
أجاب الحارس بجدية:
- الهواتف ممنوع لعدّة أسباب، وأولها لكي يستمتع الأشخاص في الرحلة بعيدًا عن الهواتف، وثانيًا لكي لا تشتهر صور الحيوانات، فمَن سيرغب في رؤيتها بعد ذلك؟ وثالثًا لكي لا يتشتت تركيز الزائر حين يكون برففة أيّ حيوان، وبإضافة إلى أن لا يسلم الزوار هواتفهم إلى الحيوانات، و حتى لكي لا يسحب أيّ الحيوان منهم الهاتف.
نطق معًا بالتعجب:
- ها؟
- نعم، ف ذات مرّة، سلم طفلٌ هاتف أمه لقرد، فسحبه القرد مِن داخل قفصه وحاول قضم الهاتف بينما بكت الأم على هاتفها، وبعد ذلك شوهة سمعة الحديقة!
قهقه كاغامي وهيكارو معًا، تحدث هيكارو ساخرًا:
- وماذا فعل القرد بالهاتف؟ هل اِتصل بأقاربه؟ أم التقط سيلفي؟
- ربما رفع دعوة ضدّ الحديقة لمنعه من الطعام ...
أردف الحارس:
- بل فعل الأسوأ!
ولّ كلاهما الاِهتمام لقصة الحارس مجددًا، نصتا إليه بتركيز:
- ماذا حدث؟
أكمل القصة:
- لقد كانت الأم توثق اللحظات بإحدى تطبيقات التواصل، فأكمل القرد التسجيل على وجه الأم الباكية وطفلها الذي يضحك، وقام بحركة عشوائية بنشرها هناك، شاهد مَن شاهد، ورسل مَن رسل، وقام الأشخاص بتنزيل المقطع ليواصلوا في نشره، وقعنا في الورطة، لكن لا علاقة لنا، ماذا نفعل؟ هل نعاقب القرد مثلًا !
غرقا في الضحك مجددًا بينما تناسى الثلاثة ما يجري مِن حولهم، قاطع الحارس هتافهم:
- أليس لديكما شيء تقلقا بشأنه الآن؟
أشار بعينيه على المكان، توقفا عن الضحك وبهتت الوجوه لبرهة، ردّ كاغامي قلقًا:
- صحيح، ماذا سنفعل؟ هل نظلّ هنا؟
أجاب الحارس:
- لا أعلم .. سنرى، ماذا لو اِقتحم الأسد القسم؟ فهو يعلم عن مخبأنا ..
قهقه هيكارو عاليًا خاطب كاغامي ساخرًا:
- هل سمعت؟ ليس علينا أن نخاف، إنّه مجرد أسد ضخم وجميل، له مخالب وأنياب .. سنستقبله ليستريح معنا .. ويقوم باِطلاعنا على مهاراته ...
قاطعه كاغامي بهدوء:
- حسنًا، سنجد حلّ، أنت فقط لا تخرج عن سيطرتك! نحنُ معًا ...
استدار إلى الحارس وأكمل هتافه:
- أليس كذلك؟
مسح الحارس وجه الهالك بالورطة لا يعلم ما يقول، تراخت أكتاف كاغامي بإحباط:
- أوه!
بينما بدأ صديقه يدور في القسم مفكرًا ومضطربًا ...
حدث كلّ هذا تحت أنظار التي تقف في الخلف، لن يفهم أيّ منهم ما يحدث .. تأمل كاغامي الوجوه المتسائلة، تنهد وهو يتأمل مقاسم وجوهم التي معالمها مأخوذة مِن مختلف المُدن، عاد يتحدث إلى الحارس بيأس:
- اِثنان آسيويون، وثلاثة مِن المملكة المتحدة على ما يبدو، لا يفهم أيّ منهم ما يحدث، هل تجيّد لغتهم؟
نفض الحارس يداه واستدار ليتجه نحوهم، استقام كلّ منهم عند رؤيتهم لحارس، بدو القلق عليهم في حين تظهر ابتسامة على ثغر بعض منهم، تحدث باللغة الاِنجليزية ليرى مَن يفهم عبارته ومَن لا:
- هل يجيّد أحدكم اللغة الاِنجليزية؟
ارتفعت أربعة أيادي في الهواء، تقدم الصيني ذات عيناي ضيقة وقال:
- أفهم .. لكن قليل ..
أومأ الحارس:
- حسنًا، هذا جيّد.
بعد ذلك رفع عيناه إلى شخص الذي يقف في الخلف بعيد عنهم، يحيط عنقه حزام أسود تتشبث في طرفيه كاميرا متوسطة الحجم، تقدم إليه طرح عليه سؤالًا باللغة الكورية، فبدت ملامح وجه تنتمي إلى هذهِ المدينة:
- هل أنت كوري؟
انفرجت أسارير وجه الشاب، بياض الناصع يضيء وجه، وشعره الكثيف يسرحه بطريقة تناسبه، أجاب ب لغته:
- نعم .. نعم .. ماذا هناك؟
وقعت عيناي الحارس على الكاميرا، ضيق عيناه بشكّ ثمّ سأل:
- كيف تمكنت مِن إدخالها؟
ابتسم الكوري وهو يحك جانب رأسه متورطًا، حرك كتفيه قائلًا:
- بطريقة ما!
توقف هيكارو حين لاحظ هو الآخر الجهاز، تقدم إليهم بينما قال منفعلًا:
- يقولون ممنوع التصوير وهذا تمكن من الدخول وهو حاملًا معه هذهِ الكاميرا والتي بحجم وجه كاغامي! كيف لم يلاحظ أحدهم؟ هذا ظلم! كنت أرغب بالتقاط صور مع رفيقي، ومع الببغاء!
صاح كاغامي:
- ماذا؟ ما دخل وجهي؟
تجاهل الحارس الجدال، وأخذ يشرح ما يجري باللغتان مختلفة يبث المخاوف في قلوبهم، اطلقت المجموعة تعبيرًا صغيرًا تظهر فيه دهشتهم، أكمل الحارس حديثه بأسلوب ذاته:
- سنجد حلّ، الإنذار اِنطلق عن طريق الخطأ، لا تقلقوا .. فقط قوموا بما أخبركم به ...
تحركت الرؤوس الأربعة توافق على حديثه، بدو كتلاميذ المطيعين،
باِستثناء الأمريكي لن يظهر موافقته على حديث الحارس، والذي تحدث إليه:
- هل لديك خطة؟ تبدو إنّك تعمل هنا ...
- نعم أعمل هنا، سأضع خطة حسب ما يحدث ...
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم