الأرق كِذبة، لو وجدَ الإنسان من يحتضنهُ لنام.


---


تقلبت في فراشها الواسع، تحاول عبثًا تجاهل رنين هاتفها المزعج، لكن صوت الطرق على باب غرفتها كان أكثر إلحاحًا. استسلمت أخيرًا ونهضت متأوهة، متوجهة إلى الباب لتفتحه، فتفاجأت بشقيقتها الواقفة أمامها، كتلة من الغضب تكاد تشتعل.


"آنسة أليشيا إدموند سوني فاسيليا، هل لي أن أعرف لماذا لم تستيقظي إلا الآن؟ الساعة تجاوزت الواحدة والنصف ظهرًا!"


تنهدت بتعب، متجاهلة تمامًا ذكر اسمها الكامل، واتكأت على الباب بنصف وعي.


"أرجوكِ، فاليري... إن كنتِ هنا فقط للصراخ، فافعلي ذلك لاحقًا ودعيني أنم قليلًا."


"لن تنامي، صغيرتي! هيا، اتبعيني، فالسيدة ميرا والسيدة إيريكا بانتظاركِ."


لم تترك لها مجالًا للرفض، إذ أمسكتها من معصمها وسحبتها معها إلى غرفة المعيشة. نزلت أليشيا الدرج بعيون نصف مغلقة، متفاجئة بالفوضى العارمة التي اجتاحت المنزل. العمال يتحركون في كل مكان، وأوامر تُلقى هنا وهناك، فيما كانت السيدتان المشار إليهما تقفان وسط هذه الضجة، تراقبان المشهد بعيون حادة.


"وأخيرًا، تشرفنا برؤيتكِ، سيدة أليشيا إدموند سوني فاسيليا!" 


صاحت السيدة ميرا، قبل أن تكمل السيدة إيريكا بحدة:


"لماذا لم تتجهزي بعد؟!"


تبا... رأسي سينفجر من هذا الصخب.


"كفاكنّ صراخًا، بحق الجحيم!"


عمّ الصمت لوهلة، ربما لأنني للتو صرخت على والدتي العزيزة وخالتي أكثر مما ينبغي، لكن لا بأس، المهم أن الهدوء عاد أخيرًا.


تنهدت السيدة ميرا قبل أن توضح أخيرًا سبب هذه الفوضى: "لوسيان ورافاييل سيصلان بعد ثلاث ساعات، ونحن نُعد حفلة لاستقبالهما."


أكملت السيدة إيريكا بجدية: "الخدم يساعدون في تزيين المنزل، وسنخرج مع والدتكِ وفاليري لشراء بعض الأطعمة المفضلة لديهما."


تحدثت فاليري هذه المرة بنبرة آدب : "والدي مشغول في الشركة، وعمي وجايسون لديهم اجتماع، وميليسا ستشرف على الخدم هنا. تبقين أنتِ، لذا من فضلكِ، اذهبي لاستقبالهما في المطار."


نظرت إليها بدهشة... أليست هذه الشيطانة نفسها التي كانت تشتعل غضبًا قبل لحظات؟ والآن تطلب مني هذا بكل أدب؟ تنهدت مستسلمة، فأنا أعلم أنه لا فائدة من الرفض.


"حسنًا."


لم تمر ثانية حتى صفقن بسعادة وسحبنني نحو غرفة فاليري. لم أفهم ما الذي يحدث حتى وجدت نفسي جالسة أمام طاولة التزيين، فيما كانت ميليسا تحضر عشرات الفساتين، وفاليري تضع المكياج على وجهي وكأنها تحاول تغطيتي بطبقة طلاء جديدة، بينما خالتي العزيزة تسحب شعري بقوة وكأنه أحد أعدائها.


بعد ساعتين، وقفت أمام المرآة مصدومة من انعكاسي. لم أتعرف على نفسي للحظات، تلمست وجهي لأتأكد أن هذه الفتاة في المرآة هي أنا. أين اختفت تلك البشرة الشاحبة والهالات السوداء؟ بشرتي الآن ناعمة ومتوردة، والمكياج الخفيف أبرز عينيّ بطريقة جميلة. شعري الأحمر القصير، الذي لم يتعدَّ طوله كتفي، كان مجعدًا بنهايته، بينما تزينت خصلتي اليسرى الطويلة بزينة شعر أنيقة. أما الفستان الأسود، فقد كان تمامًا على ذوقي، بأكمام غير متساوية، يكشف كتفي الأيمن ويدي، مظهرًا الوشم الذي يمتد من كتفي حتى معصمي، حيث تتلألأ سوار فضية تتناسب مع طلاء أظافري الأحمر والأسود. المشكلة الوحيدة؟ كان قصيرًا للغاية، يصل لنصف فخذي فقط.


"لا تقلقي، الحذاء والجوارب الشفافة سيغطيان ساقيكِ." قالت فاليري بثقة.


رغم كل شيء، لم أستطع إنكار أن النتيجة كانت مذهلة. هذه هي النتيجة عندما توكل المهمة إلى خبيرات الموضة. تنهدت باستسلام، فأنا أعلم أن لا جدوى من مجادلتهن.


"حسنًا، سأذهب الآن، تبقت ساعة ونصف على وصولهما، لذا أسرعن."


أخذت حقيبتي، قبعتي، ونظارتي ذات الإطار العريض، وانطلقت نحو الخارج، متجهة إلى المطار. أثناء القيادة، كنت أدندن بلحن ما، أفكر في لوسيان ورافاييل... اشتقت لهما كثيرًا. لم أرَهما منذ ست سنوات، ففي كل مرة كانا يزوران فيها، كنت إما في رحلة أو منشغلة بعمل ما. تُرى، هل تغيرا كما تغيرتُ أنا؟ أم أنهما لا يزالان كما عرفتهما؟


وصلت إلى المطار أخيرًا، وترجلت متوجهة إلى صالة الوصول. ألقيت نظرة على شاشة الرحلات، رحلة باريس ستصل خلال خمس عشرة دقيقة، مما منحني بعض الوقت لأشرب قهوتي المثلجة أثناء الانتظار. مر الوقت بسرعة، وحين رفعت رأسي، رأيتهما...


يمشيان بثقة وكأنهما عارضا أزياء. لوسيان، الذي ازدادت ملامحه الرجولية وسامة، رفع شعره الأحمر للخلف، ليبرز الأقراط الثلاثة التي تزين أذنيه، بالإضافة إلى حلق صغير في شفتيه. كان قميصه مفتوحًا عند بعض الأزرار، كاشفًا عن سلاسل وقلادة سوداء زادت من جاذبيته. أما رافاييل، فكان يشابهه كثيرًا، باستثناء شعره الأسود الطويل.


ابتسمت واقتربت منهما، متحدثة بالفرنسية بنبرة لطيفة:


"مرحبًا أيها الوسيمان."


لكن... تجاهلاني تمامًا.


كتمت ضحكتي قبل أن أقول مازحة:


"هل تسمحان لي بمرافقتكما؟"


لوسيان رمقني بنفاد صبر: "لا شكرًا يا آنسة، نحن ننتظر شخصًا ما."


وكأن رافاييل لم يكتفِ بذلك، فقال بالإنجليزية، ظنًا منه أنني لا أفهمها: "تجاهلها، لوسي، إنها مجرد علكة مزعجة."


عندها، نزعت نظارتي وقبعتي وقلت بنبرة ساخرة:


"هل الفرنسيون علموكم عدم احترام السيدات؟"


تجمد كلاهما في مكانه، يحدقان بي بصدمة، بينما رمقتهما بتجاهل متعمد.


"بما أنكما لستما بحاجة إلى توصيل، إلى اللقاء."


استدرت لأبتعد، لكن قبل أن أخطو خطوتين، انقضا عليّ بعناق عنيف، لنسقط أرضًا وسط نظرات الاستغراب من الناس.


"أليشيا! صغيرتي! اشتقنا لكِ كثيرًا!"


"هل كنتِ بخير؟"


ضحكت وأنا أبادلهما العناق:


"اشتقت لكما أيضًا، أيها الأحمقان... لكن، هل يمكنكما الابتعاد قليلًا؟ لا أستطيع التنفس!"


"هل تبكِ حقاُ اخي الصغير ؟"


ابتعدا أخيرًا، ليرمقني لوسيان بعينين متسعتين، بينما قال بعبوس:


"تبا لكِ! لم أكن أبكي، ولستُ الصغير هنا!"


قهقهت بمرح، وغمزت له:


"أجل، أجل... كنت فقط تقطع البصل، صحيح؟"


امتدت يد رافاييل نحوي ليعينني على النهوض، فوضعت يدي في يده، وما إن وقفت، حتى ابتسم قائلاً:


— "لقد تغيرتِ كثيرًا، بالكاد تعرفنا عليكِ!"


اقتربت منه بفضول، لكنه تراجع للخلف فجأة، كأنني صعقته، مع احمرار طفيف بدا واضحًا على وجهه.


رفعت حاجبي بمكر وهمست:


— "حقًا؟ هل زاد جمالي إلى هذه الدرجة؟"


ضحك بخفة وقال:


— "أجل، أجل، لكنكِ لم تزدادي طولًا، بل أصبحتِ نحيفة جدًا. ألا تأكلين جيدًا؟"


أبعدت وجهه بيدي بغيظ، متجاهلة سؤاله المباشر:


— "أيها الأحمق، أنتما طويلان جدًا! لستُ قصيرة، كما أنني أتناول الطعام جيدًا."


لكن الحقيقة كانت عكس ذلك، فقد كنت قصيرة مقارنة بفتيات سني، أما بجانب الرجال، فكان الفرق شاسعًا. صحيح أن طولي توقف عند 160 سنتيمترًا منذ سنوات، لكني لم أشأ الاستمرار في هذا النقاش العقيم، فتنهدت لأُنهيه.


— "هيا، الجميع ينتظرنا."


أومأ كلاهما برأسيهما، ثم توجهنا إلى سيارتي، حيث جلس لوسيان بجانبي، بينما استقر رافاييل في المقعد الخلفي. انطلقت بالسيارة، أفكر في النواقص التي اتحتاجها ، هل أتوقف الآن لشرائها، أم أؤجل ذلك حتى أوصلهما؟ لكن صوت رافاييل المفاجئ جعلني أجفل.


— "بما تفكرين؟ سألتكِ، لماذا أتيتِ وحدكِ؟ ماذا عن جاي؟"


أجبت بهدوء، دون أن أشي بما يدور في رأسي:


— "أوه، اعتذر... الجميع كانوا مشغولين، لذا كلفوني بإحضاركم."


نظر إليّ باستغراب، وكذلك لوسيان، كأنهما لم يتوقعا هدوئي المبالغ فيه، لكني تجاهلتهما تمامًا.


— "أحتاج للتوقف عند متجر سريعًا، هل يزعجكما ذلك؟"


رفع لوسيان حاجبه الأيمن، لكنه لم يُعلّق، واكتفيا بالإيماء بالموافقة. أوقفت السيارة أمام متجر الإلكترونيات بعد دقائق، فدخلت وأخذت ما أحتاجه، ثم عدت بسرعة قبل أن يطول انتظارهما. لحسن الحظ، كان لوسيان قد غرق في النوم، لكن رافاييل كان يراقبني بنظرات غامضة لم أتمكن من تفسيرها، لذا تجاهلته تمامًا، وانطلقت مباشرة نحو المنزل.



وصلنا بعد دقائق، أوقفت السيارة، ثم التفتت إلى لوسيان لأوقظه. نزلنا جميعًا، بينما طلبت من الخادمة وضع حقائبهم في غرفهم، فلطالما كان لعائلة رافاييل غرف مخصصة في منزلنا. تقدمت إلى الداخل، حيث كان الجميع بانتظارهم، وكانت السعادة على وجوه والديّ وخالتي وعمي لا توصف بعد رؤية أبنائهم مجددًا.


ابتسمت لرؤيتهم مجتمعين معًا بعد سنوات طويلة من الغياب.


بعد دردشة قصيرة، تم تحضير العشاء، فانتقلنا إلى غرفة الطعام. جلستُ بين لوسيان ورافاييل، بينما خيم الصمت أخيرًا على المائدة، فلطالما كان أحد قوانين المنزل عدم الحديث أثناء تناول الطعام، ويا له من قانون رائع!


لكن ما لم يكن رائعًا، هو أن كل الأطباق الموجودة أمامي كانت أطعمة لا أستطيع تناولها. تبًا لهم، هل نسوا ذلك، أم أنهم فعلوا ذلك عمدًا؟ لم أتناول شيئًا منذ صباح الأمس، لذا اكتفيت ببعض السلطة والخبز المحشو.


ما إن أنهيت طعامي وهممت بالنهوض حتى أوقفني صوت إدموند البارد، الذي جعل جسدي يقشعر من شدته:


— "إلى أين؟ اجلسي مكانك حتى ينتهي الجميع."


لم أجد في نفسي الجرأة للرد، فاكتفيت بخفض رأسي والبقاء في مكاني. الجميع تجاهل الأمر، فهم معتادون على ذلك، لكن نظرات لوسيان ورافاييل كانت مليئة بالاستفهام، وكأنهما لا يصدقان ما يرونه. منذ متى وأنا أطيع أوامر والدي بلا جدال؟


نظر جايسون إليهما، ثم تنهد وأبعد عينيه عنهما، كأنه يخبرهما أن هذا طبيعي.


انتهى العشاء بعد فترة، وانتقل الجميع إلى غرفة المعيشة، لكنني استأذنت للصعود إلى غرفتي وتغيير ثيابي. عدت بعد نصف ساعة، وأنا أحمل كوب قهوتي المثلجة، وجلست بعيدًا عنهم، فالأحاديث التي تدور لم تكن تهمني أبدًا. الرجال يتحدثون عن الأعمال، وهو آخر شيء أرغب في سماعه، بينما النساء يتحدثن عن الموضة والحفلات، وهذا ليس مجال اهتمامي الآن أيضًا.


فتحت هاتفي، وبدأت أتصفح التعليقات حول أغنيتي الجديدة، والتي ستُطرح بعد غدٍ في الأسواق. كان الجميع في انتظارها، والإشاعات عني كانت لا تزال منتشرة كالعادة.


بعد ساعة وربع، نهض لوسيان، ليجذب انتباه الجميع بابتسامة ماكرة:


— "حان وقت الهدايا، أيها السادة!"


نهض رافاييل معه، ليحضرا حقيبة كبيرة وضعاها على الطاولة في المنتصف، ثم بدآ في توزيع الهدايا.


كانت لوالدي وعمي بندقيتا صيد من ماركة مشهورة، ولأمي وخالتي مجوهرات ثمينة، أما فاليري، فقد حصلت على حقيبة وحذاء فاخرين، فيما تلقى جايسون وزوجته بيان أساور من الألماس للثنائيات. أما صغيرة العائلة ميليسا، فقد حصلت على فستان بإصدار محدود مع قلادة تناسبه. الجميع أُعجب بذوقهما الرائع، وانهالت عبارات الشكر عليهما.


ثم التفت إليّ لوسيان بابتسامة واسعة:


— "والآن، دور طبيبة العائلة. بما أنكِ لا تحبين المجوهرات أو الملابس الفاخرة، فقد اخترت لكِ شيئًا خاصًا. إنه إصدار محدود، ولا يوجد منه سوى عشرين نسخة فقط، لذا أنا متأكد أنه سيعجبك!"


أخرج حقيبة طبية صغيرة، فتحتها بارتجاف، وعيناي تركزان على أدوات الجراحة بداخلها. شحب وجهي قليلًا، لكني ابتسمت له بعد لحظة من الصمت، وسط نظرات مترقبة من الجميع.


— "شكرًا لك، أخي. لقد أعجبتني... لم يكن عليك إحضار هدية، فأنت لم تذهب للسياحة، لا بد أن ذلك أخذ الكثير من وقتك."


ضحك وهو يبعثر شعري:


— "ماذا تقولين؟ أنتِ توأمي، بالطبع سأهتم كثيرًا بهديتك!"


دفعه رافاييل ليبعده عني، ثم وضع أمامي علبة كبيرة، عرفت ما بداخلها فورًا. ضغطت على يدي، محاولة تهدئة أعصابي، لكن راي ابتسم وقال بثقة:


— "انظري لهذا، سيعجبكِ الكمان أكثر من أدوات الجراحة، أليس كذلك؟"


نهضت بسرعة وأنا أنظر إلى الكمان الجديد بحماس مزيف:


— "أجل! إنه رائع! شكرًا لكما!"


كنت على وشك المغادرة، لكن أخي العزيز لم يكن ينوي تركي بهذه السهولة.


— "إذن، لمَ لا تعزفين لنا؟ لقد اشتقتُ لسماع عزفكِ كثيرًا."


لكن فجأة، نهض فاليري، جايسون، وميليسا، وصرخوا بصوت واحد:


— "لا!"


تراجع لوسيان بفزع، رمش بعدم فهم، وسأل:


— "لماذا لا؟"


همّوا بالرد، لكني قاطعتهم دون أن ألتفت إليهم:


— "لنؤجل ذلك لوقت آخر، أخي. تأخر الوقت، وأنتما متعبان. المعذرة، سأغادر، تصبحون على خير."


لكن صوت والدي أوقفني مجددًا:


— "أليشيا، ابقي هنا الليلة."


أجبت فورًا، دون اعتراض:


— "حاضر، أبي."


ثم أسرعت بالمغادرة، لم يكن لدي أي رغبة برؤية أحد الآن. حاولت كتم دموعي، لكن ما إن وصلت إلى غرفتي وأغلقت الباب خلفي، حتى انهارت الدموع من عينيّ.


جلست على الأرض، شهقت بارتجاف، وحدقت في يدي اليمنى، حيث غطى الوشم أثر الندبة القديمة... تذكرت حينها كلمات الطبيب في ذلك الوقت...











يـتــبــــع ••••



ملاحظات الكاتب

أن كان لديك سؤال عن الرواية أو شخصياتها، سيكون من دواعي سروري الرد ❤️

التعليقات

أضف تعليقًا

Dena with E
19 Apr 2025 17:02

انا احب اسرد مقتطفات من الفصل الي تضحكني :" تسحب شعري بقوة كأنه احد أعدائها" هههه ، بس اقلقتني النهاية .. لا تطولين T_T