__
حين توارى الأسد عن ناظري أخذت أتنفس أعيد الهواء إلى رئتي، لن أصمد كثيرًا على هذه الشجرة، ولا أعلم ماذا أفعل، وماذا حدث مع كاغامي، ربما يكون في ورطة، عليّ ملاحقتهم بدل مِن تسلق هنا كالأحمق، كاغامي بدو حزين لكن بعد ذلك لمحت اِبتسامة الفخر على شفتيه .. هل كان فخورًا بي؟ لماذا؟ لا أعلم ماذا أصابني فجأةً لقد فقدت عقلي في فوضى السابقة، فافترقنا بسبب تشتتي، لا ألوم كاغامي على شيء قط ...
شعرت بالهواء يلحف جسدي في القمة، حدقت في السماء ربما الساعة الآن الرابعة مساءً، سأحاول النزول إلى الأسفل قبل أن يعود الأسد، إن فشل في حصول على الضحايا التي يلاحقها الآن، فسيعود حتمًا إلى ضحيته الأولى.
أخفضت رأسي بخفة بين أغصان ذات أوراق الكثيفة ومزعجة تصفع وجهي وتجعلني أشعر بحكة، أمسكت بقوة بجذع المنحني، أفلت قبضتي التي في الأعلى وقبضت على جذع السفلي، ليصبح جسدي منحني ومتهيأ للهبوط، تفحصت الشجرة لأختار أجزاء تتحمل ثقلي وتساعدني على الهبوط .. يبدو الاِرتفاع عاليًا نوعًا ما .. في لحظة التي غفلت عنها سقطت قدمي اليمنى إلى الأسفل سرعان ما تماسكت باليسرى لكي لا أسقط، أصبحت ساقي تتدلى مِن الشجرة ويداي أحاول تثبيتها .. في هذهِ اللحظة التي لا أعلم كيف أستخدم فيها أطرافي العالقة التقطت مسامعي صوت حفيف يقترب منّي، حينها ظهرت أفعى مِن بين الأوراق تزحف ببطئ نحوي، تجمدت وحدقتين المتسعة تتأمل اِعوجاج حركتها، متوسطة الحجم، يمتزج جلدها باللونين الأخضر الداكن والفاتح، عيناه شرسة تلمع بالخبث، كشفت عن أنيابها ولسانها الغريب يخرج بين حين وآخر، إنّها تنوي عليّ بلا شكّ، هل تراني؟ بتأكيد بل قادمة إليّ ...
عليّ التصرف، بدأ العرق يسيل مِن جبيني، نظمت أنفاسي بهدوء حتى لا تشعر بي، ماذا أفعل؟ عليّ أن لا أهلع وأتمالك، حاولت رفع ساقي .. لكن يصعب فعل ذلك، إنّها تقترب وحفيفها يزيد مِن توتري، حسنًا .. سأغيّر إتجاه نزولي، أرجو أن تنجح طريقتي، فلت قبضتين أحاول الاِستقام بينما قدماي ترتجف، وترجف الشجرة بأكملها، رفعت ساقي القيت نظر خاطفة على الأفعى، مِن ثمّ استدرت لتصبح ورائي، لن أركز عليها سأصبّ تركيزي على الهبوط مِن هنا، حسنًا، واحد .. اِثنين .. ثلاثة .. دفعت جسدي نحو جذع الذي في الأسفل وتمسكت به بكلّ أطرافي جيدًا، استرحت قليلًا حتى استعدتُ أنفاسي، لا أرغب الرؤية إلى الأسفل، ولا إلى الخلف، حسنًا، كالقرد قفزت مِن جذع إلى الآخر، لكن في تلك اللحظة اِهتزت أغصان الشجرة لتسقط الأفعى على يدي، صحتُ عاليًا حين شعرت بها ترتطم بي، وبجلدها البارد، شاهدتها وهي تحاول أن تلتهمني بشراسة بذلك الفمّ المفتوح، تماسكت بقوة وأنفاسي المتضاربة تكاد تنتهي، بت أتأرجح مِن الشجرة أحاول أن أتفادى أنيابها، لكن سرعان ما تسللت إلى ذراعي .. أصدرت صوتًا مخيف مِن ثمّ اتسعت شفتيها لتبرز أنيابها الحادة والتي غرزتها بقوة في طرف ذراعي دون مقدمات، صحت عاليًا أصابتني قشعريرة وشعرت باِشمئزاز وبألم، دُون أن أدرك فلت قبضتين لأسقط على العشب الأخضر، إرتطم رأسي وكلّ جزء منّي بالعنف على العشب، واصلت في الصياح نهضت على الفور رغم الألم أجاهد ابعادها عنّي، ضربت يداي ورأسي وقدماي حتى وأخيرًا سقطت أرضًا بعيدًا عنّي مِن ثمّ زحفت بسرعتها نحو إتجاه الآخر، تفحصت ذراعي لأشاهد نزيف الثقبان، أصابني الجنون، السمّ ينتشر بداخل جسدي الآن! أطلقت صرخة مفزوعًا لا أعلم ماذا أفعل، قفزت في مكاني قابضٌ على ذراعي بقوة مِن فوق الجرح أمنع السمّ مِن الاِنتشار .. حسنًا .. عليّ التوقف، والتنفس، والتفكير في الحلّ .. هذا ما يجيد كاغامي فعله، أين أنت الآن؟ ...
__
.
__
نهضتُ مِن اليابسة التي تغزوها فتات الصخور، بعد ذلك ساعدت الحارس على النهوض، مسحت وجهي الرطب وجاهدت اِستعادة الأُكسجين الذي فقدته أثناء الركض، التفت إلى هو جي المنهمك في تنظيف الغبار مِن ثياب عمله، تسألت حينها مِن بين اِضطراب أنفاسي:
- هل أنت بخير؟ لقد نجونا بإعجوبة .. كاد أن ينال منّا ..
نظر نحوي وأجاب حين اِستعاد قوته:
- أنا بخير، لا عليك. نعم، كان على وشكّ أن ينال منّا، سنواصل في السير حتى نتمكن مِن العودة إلى هيكارو بأسرع وقت، وإلى الآخرين.
- صحيح، هيكارو المسكين، لا أعلم إن كان سيصمد.
حين لاحظت مكان الذي نقف فيه، أخذت أتفحص القسم بينما تساءلت:
- بمناسبة، أين نحنُ؟ يبدو كالقسم إحدى الحيوانات ...
أجاب الحارس وهو يلتفت بجسده:
- نعم .. يبدو كالقسم ...
اِستدرتُ لأكمل الفحص، تجمدنا أنا والحارس الذي صمت فجأةً ولن ينطق بكلمة واحدة، تراجعنا بهدوء إلى الوراء حين وقعت أبصارنا على دبّ البني الذي يغفو خلف صخرة ضخمة ورغم هذا يبرز لنا طرف جسده المنطوي، همس الحارس بخفة أثناء تراجع خطواتنا:
- إنه قسم الدبّ، أظنّ إنّنا في ورطة!
- تظنّ؟ تأكد يا حارس هو جي وا ...
أردفت بخفوت بهذهِ الكلمات المتقطعة، بكاد تمكنت مِن تحريك لساني، بدأت دقات قلبي تتخبط في صدري مِن جديد، لن أشيح عيناي عنه، مخيف ومهيب وهو نائم، ماذا لو كان مستيقظ؟ في الخارج الأسد .. وهنا هذا الدبّ، وبوابة الخروج الثانية تقع بقرب مِن الدبّ ...
همست بأحرفي المرتجفة وعيناي تزال عالقة على الدبّ:
- ماذا نفعل؟
تدارك الحارس الموقف واِستعاد وعيه، تنقلت عيناه في الأرجاء الفسيحة مفكرًا، ثمّ قال:
- سنمر، ونحاول أن نصل إلى البوابة الأُخرى، فلا نملك حلًّا آخر، هناك لا وجود لأسد خلف البوابة، والدبّ نائم لن يشعر بنا ...
تجرأت وأدرت رقبتي نحوه بعد تجمد أطرافي، حافظت على نبرة صوتي الخفيضة رغم اِنفعالي:
- ماااذا؟ ماذا لو استيقظ؟
ضرب الأسد بمقدمة رأسه على البوابة التي نستند على سطحها، شهقنا كلانا بالرعب، صحنا نبتعد عن البوابة، زاد خوفنا، التفت مجددًا نحو الدبّ الذي تحرك مِن مكانه، يبدو إنّه منزعجًا لأنّنا أفسدنا غفوته ...
__
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا