الفصل الخامس.
ست وعشرون ساعة داخل المغارة.
في ثوانٍ بينما أغوص داخل الماء حسبت أن عظامي ستطفو، ولوهلة انتظرتُ حدوث ذلك قبل أن أرتطم بسطحٍ صخري وأوذي كتفي. مُقاومةً لكل ما يحدث فتحتُ فمي فابتعلتُ ماءً كثيرًا ودخل بعضه إلى أنفي وكنتُ أغرق بينما أنتظر في داخلي لحظة تآكل جسدي. وصلني الصوت من على بُعد مسافة ولكنني شعرتُ بسقوط الثلاثة في الماء. حاولتُ أن أقف، كنتُ أشعر بالقاع الصخري من تحتي فدفعتُ نفسي إلى أعلى والغريب أنني في النهاية نجحتُ بالوقوف، وكان الماء يغمرني حتى رقبتي، فلم أعد في خطر من الغرق.
بذلتُ جهدًا وأنا أتسلّق الناحية الأخرى، كانت مرتفعة بعض الشيء وكانت ثيابي المشبعة بالماء تُثقل من حركتي، لا زالت كاميرتي معلّقة حول رقبتي ولكنني واثقة الآن أنها لم تعد صالحة حتى لأن يتم إصلاحها فقد فقدتُ أجزاءًا أخرى منها. لم يكن للماء أي تأثير سيئ عليّ، تفقدتُ بقعي التي أملتُ قبل أن أدخل فيه أن تُشفى ولكن الماء لم يكن سحريًا لذا لا زالت كما هي، ولاحظتُ أن الماء كان عذبًا إلّا أنني تقيّاتُ نصف ما شربته منه بينما كنتُ أسعل.
التفتُ مرةً أخرى إلى الخلف، كنتُ أقربهم إلى اليابسة ولذا سبقتهم بالوصول إليها، كان كريم ونديم يسندان أصيل عليهما فقد التوى كاحله كما يظهر فابتعدتُ مفسحةً لهم المجال وصعدوا واحدًا تلو آخر. ولدقائق بقينا صامتين نستوعب ما حصل قبل أن يقول أصيل:
«رأيتُ سمكةً في الماء».
يضيف كريم:
«أنا رأيتها كذلك».
لم أتوقع أن يكون هذا هو فحوى حديثنا ولكننا نجونا، ونحن جائعون بما يكفي لنفكّر في الطعام أكثر من أي أمرٍ آخر، فقد مرّت ساعات على آخر وجبة أكلناها. قال نديم:
«بما أن الماء لم يؤثر فينا، فهذا يعني أن تناول ما يخرج منه صالح تمامًا».
ثم ترك كريم حقيبته المشبعة بالماء جانبًا ورافق نديم ليصطادوا السمك، وبقينا أنا وأصيل ننظر إليهم من مكاننا.
قبل أن نقرر فعل أي شيء اقترح أصيل مجددًا أن ننظر في حقيبة كريم، فبظنه أيًا كان ما يخفيه عنّا لابد أنه فقد أهميته بعد أن سقط في الماء، ولكنني منعته، فعوضًا عن أنه قد ينشب شجار عندما يلتفتُ كريم ويكتشف أمر تفتيشنا لحقيبته كنتُ أتفق مع كريم في مواصلة إخفاء ما يريده عنّا، فمَن مِنّا لا يملك شيئًا يخفيه عن الآخرين. التقط أصيل حجرتين ملساوين، وقال: «اعثري على بعض الأغصان»، فتجوّلتُ في المكان. له طبيعة مختلفة ليست مجرد صخور فحسب فعلى الأطراف على بعد مسافةٍ نمت بعض الحشائش فأخذتُ بعضًا منها. عملنا حلقة من الصخور حول الحشائش الجافة بينما يصلنا صوت صفعات الماء ومحاولات الصيد بدأ أصيل يحكّ الحجرتين بببعضهما بينما أضم يدي لأحافظ على النار الصغيرة التي ستشتعل، رغم أن ذلك أخذ منّا وقتًا طويلًا درجة أن كريم ونديم عادا بخمس سمكات وساعدونا على إشعال النار.
للحشائش رائحة عطريّة زكيّة، فاحت واخترقت السمك الذي ثبّتناه على أعواد خشب عثرنا عليها في الطرقات، ومن ثم أصبح للسمكة طعمًا منكهًا ولذيذًا. بينما مازالت ثيابنا مبتلة ونحاول أن نتدفأ بالنار الصغيرة التي أشعلناها قال أصيل:
«هناك سرٌ في المكان، فحين كنّا نعبّأ قنانينا مالت بنا الأرض وتدحرجنا! وحين ظننا أن الطريق مسدودة لم يكن أمامنا سوى خيار تسلق جبل عالٍ، وحين كنّا نتساءل عن هذه البركة أتت دفعة ماء قذفتنا إلى الأسفل أليس الأمر غريبًا؟»
قضم نديم من سمكته وقال:
«ما الغريب؟ هذا طبيعي نحن نسير فقط في الطريق الوحيد المتاح أمامنا».
«ولكن يبدو كأن المسار يُرسم لدفعنا عميقًا داخل المغارة، كما أنني أجد أمر هذه البركة مُريبًا».
ثم أنزل السمكة التي كان يقضم منها وتابع:
«وربما لا يجدر بنا أن نأكل كلنا في الوقت عينه غير أن الجوع كافر. على أية حال علينا أن نتساءل من أين جاء كل ذلك الماء ليدفعنا إلى الأسفل!»
اتفق كريم مع أصيل أمّا أنا فقد رحتُ أفكّر بالأمر أكثر قبل أن أقول على مضض:
«هل من الممكن أن تكون هذه المغارة مسحورة؟»
رد نديم وقد كان الوحيد الذي لا يزال يأكل:
«أنا نادمٌ على قراءة كل تلك القصص لكِ في صغرك ولكنها مجرد قصص رِمال».
مع ذلك وجدتُ نفسي أميل إلى ما قاله أصيل أيضًا فلا تقتصر الظواهر الغريبة غير المفسّرة على الحكايات فحسب. ألقيتُ نظرة مجددًا على البقع في يدي، شيء في داخلي لا زال ينتظر حدوث تحسّنٌ فيها، أو ربما كما قال نديم أردتُ للمكان أن يكون له تأثيرًا سحريًا درجة أن أتوهم أن بركة مجهولة ستجعلني أتماثل للشفاء تمامًا. وقبل أن يأخذ كل فردٍ منّا زاوية يستريح فيها ناقشنا ما سنفعله في الغد. وفي الحقيقة لم نجد أمامنا خيارًا سوى السير إلى حيث يأخذنا الطريق. علّق الشباب ثيابهم العليا لتجف بينما نمتُ أنا بما أملك فحسب.
استيقظتُ على أصواتهم تتعالى، وبينما أنهض بسرعة متحسسةً جسدي الذي تورّم من طول الاستلقاء وأضع نظاراتي هرولتُ إلى حيث كانوا يقفون، وقد كانت الزاوية التي اختارها كريم ليلة أمس لينام فيها. كان أصيل يقف مستندًا إلى عصا التقطها، وحوله محتويات مبعثرة لمقتنيات شخصيّة والعديد من الوجبات المغلّفة ففهمتُ أنه محتويات حقيبة كريم قد تبعثرت، وقال لي أصيل حينما أقبلت:
«انظري أنتِ من اخترتِ الثقة فيه حتى النهاية كان مستعدًا لأن يرانا نموت جوعًا ولا يشاركنا ما يملك».
«ما الأمر؟»
أردتُ أن يحكي لي أحدهم بالظبط ما حصل حينما كنتُ غائبةً، فقد كانوا جميعًا في حالةً سيئة. أجابني أصيل بينما يحاول إخفاء الجرح في جبهته بخصل من شعره:
«أليس هذا واضحًا! كنتُ على حق في ارتيابي منه حينما اتخذ بالأمس زاويةً بعيدةً عنّا، وما ذاك إلّا لأنه أراد مساحة يخبّئ فيها أطعمته».
صحيح أنني لم أتوقع أن يخفي عنّا كريم أطعمته، خصوصًا وأنه شاركنا بعضها منذ البداية ولكنني غير راضية عن ما فعله أصيل كذلك. نظرتُ إلى نديم كان يملك جرحًا جديدًا في شفته السفلى لا بد وأنه حصل عليه أثناء ما كان يفك الشجار، وقد كان ينظر إلى كريم نظرة رجاء ما لبث أن قال كريم بعدها متجاهلًا إيّاه:
«ما دمتم تظنوني أنانيًا فلن أبقى معكم».
كانت ثياب كريم هو الآخر غير مرتبة، وحتى ممزّقة من الأعلى، أنفاسه متسارعة ويبدو كأنه يهدأ نفسه من الداخل حتى لا يُقدم على عملٍ قد يندم عليه،ثم جثا ليلتقط محتويات حقيبته فتساءلت بينما أطالع ثلاثتهم أكان الأمر يستحق أن يفتعلوا شجارًا ونحن في مكانٍ معزولٍ كهذا؟ كنتُ أعلم أن كريم جادٌ فيما نوى فعله، وخفتُ حقيقةً من ردة فعله التي سيُبديها تجاهي حينما أحدثه، ومع ذلك اقتربتُ منه ثم قلت:
«كريم، من فضلك أعد التفكير في الأمر».
ولكنه لم يرد عليّ، عوضًا عنه قال أصيل:
«دعيه يذهب».
«ابقى خارج محادثتنا».
قلتُ منزعجةً من تصرفه، ثم حينما جثا نديم وساعده على تجميع محتويات حقيبته فعلتُ أنا أيضًا. كنتُ على مقربة من أصيل حين التقطتُ قارورة عطر فسمعتُ تذمره من صنيعنا، ثم مستعينا بالعصا التي كان يتكئ عليها ابتعد عنّا بضعة خطوات وأولانا ظهره. لم يكن كريم يرغب بمساعدتنا إيّاه فكان يجذب بسرعة كل غرض تمتد إليه أيدينا ويحشو فيه حقيبته، وعندما فرغ علّق أحد جانبيها الذي لا يزال سليمًا على كتفه و.. غادرنا.
ملاحظات الكاتب
أسعد بقراءة ملاحظاتكم حول الفصل المقدّم💖، قراءة ممتعة.
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا