نعود إلى قسم الأسماك، بعد مرور ساعات، كان ألدو وشياو يتناقشان باللغة الإنجليزية، رغم أن شياو لديه صعوبة في الفهم والتحدث لكن اِستطاع ألدو فهمه، بينما كان هاو بين يراقب البوابة بين حين وآخر، وآدم بدو قلقًا يسير في خطّ مستقيم مفكرًا، وباِنتظار نتائج رحيل وعودة الحارس ومَن معه ...

زحف هاو بين عن البوابة عندما لمح شيء ما مجهول يقترب منهم خلف شفافية الحاجز الباهت، تحدث بحذر:
- هناك شيء ما يقترب!

توقف آدم عن المشي ورفع بصره إليه، اِمتنع شياو وألدو عن الحديث، والأمريكي نهض مِن الركن حتى يتمكن مِن الرؤية، دار الجميع يترقب البوابة بهدوء وخوف، مِن ثمّ حدق كلّ منهم ببعض بعدم فهم لما قاله، تقدم شياو وحرك يداه متسائلًا:
- ماذا؟ لن نفهم!

- أوه!

تنهدت هاو بين، أشار بالسبّابة على البوابة منفعلًا:
- هناك ...

ثمّ أشار بكلتا يداه في الهواء يحاول شرح ما شاهده لعقولهم الغافلة، لكنّه أخفق  في الشرح، شاهد الإحباط يرتسم على الوجوه، أرخى كتفيه يأسًا، اقترب أكثر وقبض على يد شياو وجرّه إلى البوابة، هناك امسك برقبته ورفع رأسه نحو البوابة حيث جزء الذي يظهر ما خلفه قليلًا، دارت حدقة عينيه على سطح المعدن، تراجع إلى الخلف، قوس شفتيه قائلًا:
- لا يوجد شيء! إنّه مجرد باب ...

خبط هاو بين بكفه على فخذه بعجز، ألقى نظرة أخيرة نحوهم ثمّ ابتعد عنهم عندما فقد الأمل منهم، تركهم في الخلف واستراح في الزاوية غائرة، ثنى ركبتيه واِستقام برقبته وكأنّه يترقب حدوث كارثة ما.

قال آدم بعد تفكير حين شاهد ردة فعله:
- ربما شاهد شيء ما؟

رفع ألدو كتفيه بعد المعرفة:
- لا أعلم .. إنّه غريب.

هتف الأمريكي حين شعر بحماقة هاو بين:
- يا له مِن أحمق لقد آثار قلقنا على لا شيء.

ضحك شياو يحاول تقليل مِن أجواء المتشاحنة:
- لا عليكم، سنكون بخير .. سيأتي الحارس ومعه الهاتف، وسنخرج مِن هنا بالسلامة ...

ليست سِوى ثوانٍ معدودة حتى شهقة الحناجر بالفزع حين لمحت الأعين المترقبة ظلّ مهيب يبرز على المهل حتى حجب حجم البوابة مصدرًا صوتًا خافت يشبه الأنين، نهض هاو بين وصاح فرحًا بلهجته:
- هل رأيتم ذلك الآن؟ أخبرتكم يوجد شيء ما ...


همس الجميع وأشار له لإخراسه، انتبه هاو بين لموقفه، أخفض عنقه معتذرًا بينما وضع السبّابة على شفتيه، أشار آدم على شفتيه بالسبّابة يحث الجميع على الصمت، أومأ له الجميع، تقدم ألدو برفق اِبتلع ريقه وعيناه تستقر على الحاجز، تفحص البوابة ليدرك ما خلفها، دقق النظر في الظلّ المرسوم، وتراجع إلى الخلف حذرًا، همس شياو إلى آدم:

- يجب علينا فعل شيء ما ...

أومأ له آدم ثمّ دار برفق نحو ألدو، جذبه من ذراعيه مِن ثمّ همس بخفوت:
- ماذا نفعل؟

نظر في عيناه حائرًا، أجاب هامسًا:
- لا أعلم .. ننتظر قليلًا سيغادر ...

قاطع تصنمهم وحذرهم هتاف الأمريكي الصاخب:
- جبناء! لماذا لا نحاول محاصرته هنا، والخروج مِن هذا قسم العتيق؟

حاول الجميع إخراسه لكن تابع حديثه غير مبالي:
- علينا أن نحتال عليه ...

- إخرس! عليك أن تصمت وسنفكر بحلّ ما معنًا!

قال آدم ذلك غاضبًا مِن تصرفه، بينما تقدم الأمريكي بخطوات واسعة إلى البوابة ينوي على فعل شيء ما، بث الرعب في قلوبهم، هلع الجميع مِن فكرة تهور الأمريكي وفتحه لبوابة، هرول آدم إليه وقبض على ذراعه ليوقف حركته، تحدث إليه متسائلًا:
- ماذا ستفعل؟ هل ستفتح البوابة ليهاجم على الجميع؟ نحن لا نملك أيّ أدوات لندافع عن أرواحنا .. هل تظنّ أن لديك قدرة خارقة أو ما شبه؟ ...

فار الدم في وجه الأمريكي صوب إليه نظرات عدوانية ثمّ فلت ذراعه مِن قوة قبضته، إرتدّ إلى الخلف قائلًا بالغضب:

- سأفعل ما يفعله الأقوياء .. لن أقف هنا دُون فعل بشيء .. وأنتم لا تنصتون إليّ!


عقد آدم ذراعيه إلى صدره، أومأ له بخفة يسمح له بالحديث:

- حسنًا، سنصغي إليك، هات ما لديك لنرى مدى عبقريتك ...
.



في هذهِ اللحظة المربكة اِرتجفت ركبتين كاغامي الذي لن يجرؤ على الحركة، بينما الحارس أخذ يترقب حركة الدبّ الذي نهض مِن خلف الصخرة ووقف يحدق بهدوءٍ مريب إلى كلاهما، أصاب كاغامي الهلع مِن نظراته الشرسة، خبط حينها الحارس جانب كتفه حاول إيقاظ كاغامي مِن رعبه:
- ركز معي .. سنتجاوزه كما فعلنا مع الأسد، فقط ركز ...


أومأ كاغامي بتكرار على عجلة، اغمض عيناه بخفة وبدأ ينظم أنفاسه لاِستعادة هدوءه، أثناء تأمل الدبّ لهما، نطق كاغامي بعد تفكير بما يجب عليهم فعله، قال مرتبكًا:
- علينا أن نتظاهر بالموت .. سأضع حقيبتي جانبًا .. وأستلقي، أفعل مثلي، لقد قرأت ذات يوم إن تظاهرنا بالموت أمام الدبّ فسيغادر .. ولن يؤذينا ...

هتف الحارس بعدم تصديق:
- حقًّا؟ هل هذا ما تمكنت مِن التفكير به؟ وهل صدقت هذا الهراء؟

فجأةً صاح الدبّ بالصخب حتى قفزت أجساد كلاهما مِن مواقعها، حرك قدميه فوق الرمال وانطلق إليهم، صاح كاغامي مفزوعًا وهو يدفع جسده أكثر نحو صلابة الحائط:
- لا لااا .. لااا ...

لكن سرعان ما عاد إلى صوابه حين اقترب الحارس منه وسحب يداها نحو سياج الشاهق يحيط بالقسم الترابي، هتف الحارس مع صراخ كاغامي المتواصل:
- مِن هنا، تسلق معي ...

دُون تفكير اِنطلق بجهد عالي يتسلق كلّ منهم فوق شّباك السياج، تسلق كاغامي الحدائد معه حتى صعد كلاهما بسرعة حين اقترب الدبّ منهما، وصلا إلى إرتفاع ينقذهما مِن هجوم الدبّ، توقف كاغامي يلتقط أنفاسه، شاهد الدبّ الذي قفز في الأسفل يحاول القبض عليهم، ضحك حينها مِن بين خوفه، هتف قائلًا:
- الآن أدركت سرّ مهارات هيكارو في التلسق ...

التفت نحو الحارس الذي يلهث رغم عمره الذي يصل إلى "40" كان يبدو نشيطًا ومحافظًا على لياقته الجسدية، تحدث كاغامي إليه:
- هل أنت على ما يرام؟

- نعم، لا عليك ..

أثناء ما كان ينال كلّ منهم الراحة في القمة، دار الدبّ الثائر حول نفسه ثمّ أطلق صرخةً هائجة حتى اِرتعبت الأجساد، تشبث كاغامي بقوة في السياج بكلتا قبضتيه وبقدماها التي تنزلق في كلّ مرة، رغم شعوره بألم حاول التماسك بقوة كذلك الحارس وجد الصعوبة، أردف كاغامي بيأس:
- لا أظنّ إنّنا سنستطيع الصمود فوق هذهِ الشباك المعدنية ...

- نعم .. إنّك محقّ، علينا أن نفكر ب حيلةً ما.

في تلك اللحظة انطلق الدبّ الهائج نحوهم دُون مقدمات أُخرى قفز على السياج تحت أعينهم الراجفة، وقف على قدميه وقبض بكلتا مخالبه على الحدائد وبدأ ب تحريكها بقوة، اِرتجت أجسادهم، وكلّ ما فيهم يندفع إلى الخلف وإلى الأمام مع صياح كاغامي المستمر، أثناء تأرجح أجزائهم تحدث الحارس بصوته المنقطع وكلماته تهتز بين شفتيه:
- كاغامي .. تصرف .. أفعل شيء ما .. سنسقط ...


ردّ كاغامي بينما يجاهد التمالك:
- ماذا أفعل؟ إنّني معك بالورطة!

صاح الحارس يحثه على التفكير:
- فكر .. فكر .. وإلّا سنكون طعمًا له ...


__
أشعر بالدوار، إنّي مضطرب، عليّ أن أعتمد على ذاتي حين لا يكون كاغامي بجانبي، حسنًا، التقطت هواءً عميق وحرّرته برفق، كرّرت فعل ذلك حتى تمكنت مِن التفكير في حلّ، عيناي عادت تلقي النظرة على النزيف الجرح، مِن ثمِ تفحصت المكان مِن حولي، خطرت ليّ فكرة، نزعت عنّي القميص وبقيت قطعة القطنية تغطي جسدي، ركضت إلى بحيرة صغيرة تكمن في طرف الزرع، انحنيت بمقامي لأصبح قريبًا مِن طرفها، مدّدت كفي بداخلها وبدأت بسكب الماء على الجرح حتى سال الدماء يمتزج في البحيرة وبدأ ينظف مِن التلوث، مزقت القميص وقمت بربط جزء الأول على جزء السفلي مِن الجرح بقوة لأوقف السمّ مِن الاِنتشار، بعد ذلك انتظرت قليلًا حتى تدفق النزيف إلى الخارج، هل أقوم باِمتصاص الدماء ليخرج السمّ؟ سأتجاهل هذهِ النقطة، يكفي ما سال مِن الدماء .. قمت بربط جزء الآخر مِن القميص فوق الجرح حتى يتوقف النزيف، وأخيرًا حين انتهيت نهضت مِن فوق العشب، ألهث وقلبي يتراقص في القفص بجنون، استجمعت أنفاسي بقوة، لحسن الحظ كنت قريبًا مِن العشب، لكن أشعر بألم شديد في جسدي إثر السقوط ...
الأسد! كدت أنسى وجوده، نفضت ثيابي على عجلة، ورتبت خصلات شعري، التفت يمينًا وشمالًا أتفحص المكان، لا أثر لأسد، هناك يكمن قسم الأسماك، هل أعود إليه، أم ألتحق بهم؟
سألتحق بهم، فليحدث ما يحدث، وإن ظهر ذلك الأسد ثانيةً .. لا أعلم ماذا سأفعل .. ربما .. سأهرب مجددًا.

__

ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا