نهض الأمريكي بفارغ الصبر، هتف عاليًا:
- لقد سئمت مِن الاِنتظار! طفح الكيل .. سأخرج الآن .. وألقي نظرة لأرى ماذا حدث، لن يحدث أيّ شيء إن لن نتحرك ...

قال ذلك بعد إن سئم مِن مشاهدة اِهتمام الجميع بالباندا الذي نام بعد محاولات منهم، اِلتهى الأفراد في الباندا وكأنّهم تناسوا مشكلة الأسد كليًا، التفت شياو إليه وضع سبّابة على شفتيه، ردّ بهدوء حريصٌ على غفوة الباندا:
- اِخفض صوتك .. إنّه نائم سيستيقظ ...

أردف ألدو هامسًا:
- يا له مِن مسكين! كان جائعًا لكن لا يوجد طعامٌ هنا ...

اِتفق الحارس معه:
- نعم، صحيح لذلك علينا أن نحاول أن لا نوقظه .. فلينام لأطول وقتٍ ممكن ...


كان آدم سيتحدث لكن سبقه الأمريكي منزعجًا:
- هل هذا ما يهمكم؟ لا مساكين هنا غيرنا! علينا الخروج .. ربما الأسد التهم الحارس والأحمقان، ونحنُ ننتظر هنا لا شيء .. علينا أن نحاول الخروج لا على نوم هذا الدبّ! ...

صمت شياو، فكر آدم في عبارته، بدت له منطقية، لقد تأخر الحارس ومَن معه، وحل الليل، انقضت ساعات طويلة منذُ مغادرتهم، تحدث آدم بخفوت مقتنعًا بحديثه:
- إنّه محقّ! لقد مرّت ساعات طويلة ولن يعود أيّ منهم، ربما هربوا مِن دوننا عندما أتيحت لهم الفرصة .. أو هناك عوائق تعيقهم مِن المجيء .. ماذا لو الأسد يلاحقهم ويختبئون منه؟

- هذا ما أحاول قوله ...

صفق الأمريكي بيداه وأشار إليه بشيء مِن سعادة، وأخيرًا فهم أحدهم مقصده ونصت إليه، همست الأفواه تحاول اِسكاته:

-هششش !


عقد ذراعيه منزعجًا مِن ردة فعلهم في حين أردف ألدو يأسًا:

- إذًا .. ماذا نفعل؟

فرد ذراعيه ودار ليصبح أمامهم، خاطبهم الأمريكي بصوته الحاد:
- لديّ خطة ...

قاطع شياو خطابه قبل أن يبدأ، أردف بخفوت:
- هل نذهب هناك ونتناقش بعيدًا عن الدبّ؟

تنهد الأمريكي يتمالك بينما نهض الجميع، حاول شياو الاِنسحاب مِن تحت الباندا بحذر لكي لا يفيق، ثمّ مضى الجميع بهدوء خلف الأمريكي الذي يسير مقدمًا عنهم ببضع خطوات، بدو واثقًا مِن خطته ...

.


تراجع هيكارو خطوة بالحذر، عيناه الثابتة تراقب هيئته، فتحه شفتيه ليتحدث، لكن اِمتنع عن الحديث حين وقعت ضوضاء خلف بوابة القسم، دارت الأعناق ببطئ إلى البوابة في حين ظلت شفتيه متسعة وهو يراقب إتجاه البوابة مع المهرّج باِنتظار ظهور كارثة ما، تبادلا النظرات في صمت، أشار المهرّج بالسبّابة على شفتيه يخبره بأنّ يصمت، أغلق هيكارو فمه وأمأ له، بعد ذلك أشار المهرّج إلى الأعلى، اِستدار هيكارو برقبته ليرى إلى ماذا يشير، كان يشير خلف الببّغاء .. تحديدًا على حاجز مبني على صلابتها إطار النافذة، عاد هيكارو برقبته، هزّ رأسه يوافق فكرته كالطفل مطيع، تعدل الاِثنان برفق بهيئة أجسادهم، خطى المهرّج نحو هيكارو المتصلب بهدوءٍ تام، ما إن عبر مِن جانبه اِستدار معه هيكارو بهدوء متجهان إلى النافذة .. في كلّ ثانية تمضي تزداد الضوضاء وتقترب منهم أكثر، توقف كلاهما عند النافذة، شرع المهرّج في رفع جسده ليعبر منها، لكن قبض هيكارو على كتفه بقوة وجرّه إلى الخلف قائلًا بخفوت:
- أنا أولًا!

هزّ المهرّج رأسه نافيًا، عاد يكمل التسلق، ضغط هيكارو على كتفه بقوة يحاول رده بينما المهرّج بدأ يقاوم حركته، أثناء شجارهم الصامت تعالت ضجيج وقع خطوات، تجمد كلاهما، ظلت الأعين متسعة تراقب البوابة مجددًا، تسمَّرت حركتهم، بات المهرّج يضع قدم فوق الإطار وقدم الآخر يقف به، وهيكارو ظل قابضًا على طرف زيّ التنكري، ليست سِوى ثانية واحدة حتى هاجم جسدٌ هائج حاجز الزجاجي، داهم ذئبٌ أسود بالعنف القسم بهيبته وضخامته حتى تناثر الزجاج في الهواء، ما إن تحطم الباب توقف يلهث واللعاب يسيل مِن بين أنيابه المرعبة، شهق كلاهما بالفزع، قفز المهرّج يكمل التسلق على عجلة، لكن علق ما فوق جسده في منتصف فوهة الإطار، قفز هيكارو مِن مكانه لكن دُون صراخ وبدأ يخبط على جزء العالق مِن المهرّج، لاحظ الذئب الشرس وجودهما، اِنطلق إلى الببّغاء أولًا، تجاوز المهرّج النافذة بعد عناء وسقط خارج القسم، لاحظ حينها هيكارو نوايا الذئب حين اتجه نحو الببّغاء بخطوات ثابتة تارك هيكارو في الخلف، صاح هيكارو وركض دُون تفكير إلى الببّغاء في حين المهرّج يصرخ بكلّ ما لديه مِن خلف النافذة ينادي هيكارو لينضم إليه، أصبح هيكارو خلف الببّغاء مباشرةً ينظر خائفًا إلى الذئب العنيف، شفتيه ترتعش وكذلك أطرافه، كلّ أحاسيس الذعر اِنهمرت عليه في هذهِ اللحظة، حينها رفع الذئب عيناه إليه حدق بعيناه الحمراء بعداوة في أعين هيكارو المرتعبة، يتنفس مِن فجوة فمه جائعًا ولاهثًا، يتنافس مع هيكارو على حصول الببّغاء، هزّ هيكارو رأسه نافيًا يخبره لن يصل إلى رغبته، تنتقلت أبصاره في الأرجاء يبحث عن حيلة أو شيء ما يساعده، وقعت عيناها الباحثة على دلو ممتلئ مِن الرمل يقع تحت غصن الذي يستريح عليه الببّغاء ويشاهد الصراع بهدوء، تحركت أقدام الببّغاء فوق الغصن واستدار بهيئته إلى هيكارو .. حينها عاد اِنتباه الذئب إليه، استغل هيكارو ذلك وانطلق بخطواته المضطربة ورغم رجفة التي تعيره إلى عصا التي تسند طرفها على جذع الشجرة المهيبة، التقطها ودفع بواسطتها الدلو بقوة نحو وجه الذئب الذي شرع في مهاجمته مصدرًا صوت صاخب مِن أعماقه، لكن سرعان ما تراجع إلى الوراء حين تناثر الرمال في وجهه الشرس، واِخترقت حبيبات الرمال عيناه، بدأ يتصبب عرقًا ويشعر بحرارة تفور في جسده مِن ما يفعله، ركض إلى الببّغاء أنزله مِن الغصن متوترًا ثمّ جذبه إليه ليحتضنه .. بعد ذلك ركض بسرعة خارقة إلى النافذة، رفع الببّغاء وقذفه مِن الإطار، أسرع وألقى بثقل جسده عبر الفجوة ... نجح في تجاوز النافذة، وفي الهرب مِن الذئب، وفي إنقاذ الببّغاء.

رفرف بجناحيه قليلًا ثمّ هبط على اليابسة، التحق به هيكارو، طار جسده في الهواء ثمّ سقط أرضًا تحت أنظار مهرّج القلق، تأوه هيكارو وتقلب على جانبه الأيسر، لن يدع الألم يغلب عليه نهض منحني الظهر وهو يعرج بقدمه الواحدة، ربّت على الببّغاء برفق يطمأنه بعد ذلك حمله عن الأرض، يبدو الببّغاء فاقد الشغف وقوة .. شفق عليه هيكارو، صرخ به المهرّج مشيرًا إلى الطائر:
- لماذا تأخرت؟ هل كان هذا مهمًا؟

رفعه هيكارو فوق كتفيه وحاول تعديل مظهره الفوضوي، وأنفاسه المضطربة بدأت تهدأ كذلك دقات قلبه، صوب بحدّة عيناه إلى المهرّج ثمّ أشاحها بكراهية بينما قال يؤكد له:
- نعم أهم منك! يا لك مِن أناني ..

اتبع المهرّج خطوات هيكارو الهالكة التي تعبر مِن منتصف المنتزه، ردّ على عبارته يدافع عن نفسه:
- لستُ أناني .. مَن أنت لتحكم عليّ؟ يا لك مِن ساذج .. بدلًا مِن إنقاذ نفسك فكرت في هذا الطائر الكئيب!

توقف هيكارو، كور قبضته وضغط على فكه يحاول السيطرة على غضبه، اِستدار نحوه ويده الأُخرى تثبت الببّغاء الذي وزنه ثقيل بعض الشيء، تحدث إليه بهدوءٍ مريب:
- أغلق فمك ولا تتفوه بشيء ضدّ الببّغاء لكي لا تلقِّ حتفك .. على الأقل يبدو في هذهِ الألوان مذهل، عكسك يا مهرّج .. تبدو كالمهرّج وأحمق .. وكذلك قاتل .. إنّك لا تبالي لموته .. فهذا يثبت إنّك قاتل! ...

صمت المهرّج وأخذ نفسًا عميقًا، لا يرغب خضوع في جدال مع هذا الشاب الذي يبدو جادًا بشأن الببّغاء رغم الظروف التي تحيط به، أردف بخفوت قائلًا:
- حسنًا .. إلى أين ستذهب؟ الذئب والأسد سيخرجان في أيّ لحظة!

تنهد هيكارو مفكرًا، راقب الأرجاء المزدهرة، ينمو العشب في كلّ بقعة، الأشجار الخضراء تحتل الساحات، والهدوء الذي يدور في المكان يحمل خلفه عواصف، لا يعلم متى ستندفع إليهم، رفع ناظريه إلى السماء الباهتة، كثيفة مِن الغيوم التي بدأت تفقد سطوعها وسط سواد العتمة الظاهرة تدريجيًا، قبل أن يتحدث سبقه المهرّج في الحديث:
- أنا أعلم أين ستذهب .. إنّك تبحث عن الحارس والشاب الذي برفقته ...

صدم هيكارو للحظة وتوقف عن المضي، كيف أدرك المهرج برغبته؟ قبل أن يغرق في دوامات مِن الأسئلة، أكمل المهرّج حديثه المبتور:
- دلف الحارس إلى قسم الدبّ، وبرفقته شاب يبدو مِن هنا، شاهدت ذلك حين كنت أختبأ مِن الذئب وكان الأسد يلاحقهم، لكن تمكنوا مِن النجاة منه، لم يخرج أيّ منهم مِن القسم، بعد ذلك انتقلت أنا إلى هنا .. لا أعلم ما حدث ...

سقط قلبه مِن مقرّه، شهق هيكارو مندهشًا، أجاب منفعلًا:
- الدبّ أكل كاغامي؟ هل .. هل هذا يعني ذلك؟ ماذا حدث بعد ذلك؟

لن يدع لمهرّج المجال لحديث، ركض هيكارو بينما هتف متسائلًا:
- أين هم؟ أين القسم؟ 

لن ينطق المهرّج بحرف واحد، فكر بأنّ هيكارو يبالغ في ردة فعله، لكنّه بدأ يسير في إتجاه قسم الدبّ، وهيكارو قرّر يتبعه متوترًا بخطواته المتعجلة.

__
هل سيكون بخير؟ كاغامي المسكين هرب مِن الأسد وتورط مع الدبّ! لا أعلم كيف حاله الآن ...
تضخمت الضجة بين أغصان الشجر، وفي أعالي السماء، حين رفعت ناظري شاهدت طيور بأنواع مختلفة ترفرف جناحيها بحرية، تحدثت إلى المهرّج الذي يسير متقدم عنّي بخطوة:
- مِن أين تأتي هذهِ الطيور؟

نظر عاليًا لبرهة، ثمّ أجاب:
- لقد رأيت بعضًا منها في السابق، لكنّها تتكاثر .. إنّه أمرٌ غريب!

- نعم.

دار برقبته وتساءل أثناء ما يتفحص ذراعي:
- ماذا حدث لذراعك؟ هل أصبت بجرحان؟

نظرت إلى الجرح الذي يغطيه قميصي الممزق ثمّ أجبت:
- لدغتني الأفعى، فربطت فوق الجرح لكي لا ينتشر السمّ ...

قال يؤيد فكرتي:
- عملٌ رائع، فالأفاعي هنا سامة مِن درجة الأولى، لذلك يظهر تأثير السمّ بعد ساعات ...
__


امتنع عن الحديث بعد أن أردف بجملته التي قبضت قلب هيكارو، نظر إليه ليكمل معلوماته حول الأفعى، لاحظ المهرّج طلبه الخفيّ، بعد تردّد أكمل قائلًا:
- وحين يظهر تأثير السمّ .. يسقط الإنسان صريعًا على الأرض .. حتى لا يشعر بالأعراض .. اِربط قميصك جيدًا وبقوة ...

توسعت حدقة عيناه إثر الصدمة، كلمات المهرّج كالصاعقة ضربت عقله، توقفت قدماه عن الحركة، بقي متشنجًا بينما تقدم المهرّج خطوتان، ثمّ عاد حين لاحظ توقف هيكارو، تراجع خطوتان ليصبح بجانب هيكارو مجددًا، حين لاحظ تجمد هيكارو أردف متسائلًا:
- ما خطبك؟


__

هل سأموت قبل رؤية كاغامي؟ لماذا حدث كلّ هذا معي؟ .. معنا .. لقد افترقنا، وتأذينا كلّ هذا لأنّني رغبت في رؤية الببّغاء؟ لأنّي أردت التنزه ونيل الراحة مِن ضغوطات الحياة والعمل؟ إنّي في مبكر مِن عمري .. لديّ أحلام وحياة كنت أرغب في عيشها، وزيارة المزيد مِن ببغاوات .. والآن ربما أسقط صريعًا في أيّ لحظة، تلك الأفعى الخبيثة سلبت منّي كلّ شيء .. أمامي ربما .. ساعة .. ساعة أو أقل! ...

__


إنّه لا يتحرك، ابتلع ريقه قلقًا، خبط جانب كتف هيكارو الذي غرق في أفكار السوداوية:
- هي! ما خطبك؟


التفت هيكارو ببطئ، نظر في عيناه ثمّ قال بهدوءٍ مريب:

- هل ما قلته صحيح؟ هل سأموت حقًّا؟

لن يتمكن المهرّج مِن مقاومة ضحكته، أطلق قهقهة عالية مِن أعماقه، دخل في نوبة الضحك، قوس بمقامه وأحاط خصره بشدّه، بهت وجه هيكارو، تأمل ضحكة المهرّج أدرك إنّه يسخر منه، كور قبضته حاول أن يتمالك، استقام المهرّج وبدأ يلتقط أنفاسه التي غرقت، ثمّ نطق بأحرفه التي تكاد تخرج:
- الأفاعي هنا ليست سامة! ما الذي جرى لك؟ كدت أن تموت مِن الصدمة قبل السمّ ...

تنهد هيكارو براحة، والسعادة تغمر قلبه، صوب إليه نظرات الحقد، أشاح عيناه يتحسس الببّغاء ثمّ مضى بهدوء قائلًا:
- نسيت إنّك مهرّج مِن المفترض لا أصدق أقوالك، ف لقاء الدعابات مِن طبعك ...

ضغط على فكيه، تمكن هيكارو مِن اِستفزازه، خبط بقدمه على اليابسة، التحق به في حين قال بالحنق:
- ماذا تقصد؟ لماذا لا تكفّ عن قول بأنّي مهرّج؟

ابتسم هيكارو، نظر إليه مِن طرف عيناه، تفحص هيئته مِن الأسفل إلى الأعلى، توسعت ابتسامته بينما قال بخفوت:
-لأنّك مهرّج!

شعر بالغيظ لكن سيطر على اِنفعاله، سرعان ما تقدم إلى الأمام ليوصل هيكارو إلى مقرّ المطلوب ...


__
صمتتُ وأنا أتأمل قفاه، هذا المهرّج يفزعني، هدوءُه مريب، اضطررت مرافقته لأنّه يعلم مكان وجود كاغامي، ماذا لو يكذب عليّ لينتقم؟ ويستدرجني إلى مقرّ سري حيث يمارس جرائمه؟ أنا لا أثق فيه .. عند هذهِ الفكرة توقفت عن السير بينما ظلّت عيناي عالقة على قفاه، كيف لن أفكر بهذا مِن قبل؟ وكأنّ فكرة إنارة في عقلي الغافل فجأة، وفي وقت المناسب!
تحرك الببّغاء بهدوء فوق كتفي وبقرب مِن عنقي، ربّت على ريشه برفق، قبضت على جسده جيدًا لأحمله بين يداي، أشعر بأنّه يشعر براحة معي، تراجعت خطوة إلى الخلف، عاودت النظر إلى الأمام، توقف المهرّج حين لاحظ امتناعي عن المشي، دار وجهه حدق بي مِن خلف قناعه المريب، اِستدار بكامل جسده، تحدث إليّ متسائلًا:
- لماذا توقفت؟ 

لن أجب على سؤاله بل آمرته بخفة:
- إخلع القناع ...

تسمَّر للحظة، ثمّ أمال رأسه بخفة وأردف:
- ماذا؟ هل ترى الوقت مناسب لهذا؟
__

قال هيكارو مصرًا:
- وهل هذا الوقت مناسب الاِرتداء القناع؟

- وماذا في ذلك؟

واصل في حوار المتناقض بخفوت، والرياح تهب بين حين وآخر، ظلت مسافة بضعة أقدام تفصل بينهم، أجاب هيكارو:
- لماذا لا تستطيع التخلي عنه؟ وهل ستظل تركض بهذا القناع الذي يكبر حجم رأسك؟ وكيف أثق إنّك لست قاتل! هددتني قبل قليل بالقتل .. لن أنسى ...

قاطعه المهرّج بهدوء يبرّر له:
- بالنسبة ليّ أنا هذا القناع مريح، لا أعاني مِن شيء، وعن القتل كنت أحاول إخافتك فقط .. هيّا اتبعني، حل الليل والذئب سيعود ...

قاطعه هيكارو نافيًا:
- لن أسير برفقتك .. إلّا أن خلعت القناع ...

- قلت لك لن أخلع القناع.


- قلت لك لن أسير برفقتك.


- لن أتخلى عن القناع.


- لن أسير برفقتك ...


عمّ الهدوء في الأنحاء للحظة فجأةً، توسعت حدقة عيناي هيكارو، تراجع المهرّج قدمًا ثمّ ثبت مجددًا، حينها شعر كلاهما بشعور غريب اِجتاح حواسهم، لمح هيكارو تراجع المهرّج وثباته، أدرك بأنّ ما شعر به خفيًّا صحيح، اِمتزج صرير الرياح مع أنفاسه اللاهثة التي تفشي لهم عن نواياه الشريرة .
مدّ المهرّج ذراعه وقبض على ذراع هيكارو المتجمد والببّغاء يحتمي في أحضانه، فكر هل عليهم التحرك؟ أم البقاء ساكنًا؟ ...

سرعان ما صرخ صوتًا ما مِن بعيد يحاول جذب اِنتباه الأسد الذي يحدق فيهم بعيناه المفترسة، التفت الأسد إلى مصدر الضجة تارك التماثيل في منتصف، زمجر ثائرًا وانطلق خلف شخص الذي قام باِستدعاءه، صاح المهرّج وسحب ذراع هيكارو المتصلب بقوة:

- هيّا .. الآن!

اِستفاق هيكارو مِن خوفه، تمسك بالببّغاء وركض بعد تثاقل جثمانه خلف المهرّج الذي يجرّه بقوة مِن طرف ذراعه، هتف المهرّج عاليًا:
- ماذا دهاك؟ أركض معي مِن هنا .. سنختبأ في قسم الحراسة.


أومأ له هيكارو، وكأنّه لن يستوعب إلى الآن ماذا جرى، تشبث بالببّغاء الهالك والذي يرخي بكلّ ثقل جسده على ذراعيه، قال المهرّج أثناء فرارهم:
- مَن كان؟ بد ليّ شخص مِن السياح ..

- مَن؟

نطق هيكارو بعد فهم، أجاب مهرّج:
- شخص الذي انقذنا .. لقد صرخ مِن بعيد ليجذب اِنتباه الأسد ...

- حسنًا، رائع ...

انعطف كلاهما نحو ممر ضيق ومعتم، ثبت المهرّج جسد هيكارو على الحائط بينما تساءل هيكارو متعجبًا:
- ماذا تفعل؟ ...

بحركة سريعة غطى شفتي هيكارو ليخرسه، شهق هيكارو مفزوعًا، قبض على ببّغاء بقوة، بدأ في مقاومته وحواجز تحيط بهم  ...

ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا