لكن همس المهرّج الذي بدو حجمه أكبر مِن المخبأ:
- أصمت! أهدأ .. هناك شيء ما!

توقف عن الحركة وأخذ يتنفس بقوة تحت كفه، دارت أبصاره إلى الجانب تتفحص مقرّ شبّه مظلم، أبعد المهرّج يده عن شفتيه، نظر حيث هيكارو يوجه عيناه إلى الأسفل، وجد ظلّ حيوانٍ ما يتحرك في إتجاه معين، كتم هيكارو أنفاسه، بقي المهرّج ساكنًا أثناء مرور الظلّ:
- أصمت .. أصمت ...

نطق ببّغاء بعد وقتٍ طويل، كرّر آخر كلمة وقعت على مسامعه، توسعت أعينهم مِن الصدمة، قفز الاِثنان مِن مكانهم بالذعر، دفع هيكارو فم ببّغاء في زيّ المهرّج يحاول إخراسه، حاوط المهرج رأس ببّغاء سريعًا ثمّ عادت الأعين تراقب الظلّ الذي توقف للحظة حين أحس بشيء ما، زادت دقات قلوبهم المتواترة، لكن عاد الظلّ يتحرك حتى عبر طريقه ببطئ وتلاشى.
أطلق هيكارو زفيرًا باِرتياح، أبعد ببّغاء عن المهرّج خاطبه يلومه على ما فعل:
- لن تطلق مهاراتك في النطق سِوى الآن!

تراجع المهرّج، تفحص المكان يقظًا، ثمّ عاد إلى هيكارو قائلًا:
- الآن أسرع ..

أومأ له، رفع رأس ببّغاء وسانده على كتفه بينما أحاط بذراعيه باقي جسده كأنّه يحمل طفلًا صغير، بدأ هيكارو يتبع مهرولًا خطوات المهرّج باِستسلام.

__
سأتبعه فحاول إنقاذي، ربما لأكون ضحيته؟ لا أعلم، كاد الأسد يقبض علينا مرّة أُخرى .. لكن نجونا .. لا أصدق ذلك، وكذلك مِن الذئب .. لقد نجونا بإعجوبة.
أشعر بإرهاق، وكاغامي لن يظهر إلى الآن، آمل أن يكون بخير.
هتف المهرّج مشيرًا نحو البوابة:
- هناك .. هيّا ..

تخطينا الزرع، وبضعة أشجار حتى وصلنا إلى هناك، لا أعلم ماذا يوجد بالداخل، ما إن توقفنا بقرب مِن البوابة نلهث، اصغينا إلى ضوضاء وقعت بقرب منا، حبست الهواء في رئتي، وتصلبت حركتنا نراقب الأرجاء، ثوانٍ وظهر أمامنا قرد فجأةً، تقدم نحونا ثمّ توقف تاركًا مسافة بيننا، حرّرت الهواء باِرتياح، نظرنا أنا والمهرّج في عيناه بهدوء، أمال رأس جانبًا، وظل يحدق بنا ...
__

أصدر ضحكة خافتة، أشار على القرد واِلتفت إلى المهرّج قائلًا يطمأنه:
- إنه مجرد قرد! لقد أخافنا، لا يتمكن مِن فعل شيء ...

نظر المهرّج إليه بالصمت، كان سيتحدث لكن واصل هيكارو في ضحكته ثمّ تقدم مبتسمًا إلى الأمام ليقف عند واجهة القرد، اِنحنى بمقامه ليصل إلى مستواها، أخفض قرد ناظريه ليمعن النظر بالبراءة في أعين هيكارو، تأمله هيكارو بحبّ بينما تشبث بالببّغاء، أردف بنبرته التي يظهر العطف والإعجاب فيها:
- يا له مِن قردٍ لطيف! يبدو إنّه أضاع عائلته ...

__
مسحت برفق على رأسه، يبدو بريء ولطيف، حاولت مداعبته لكن ظل ينظر إلي مقوس شفتيه بدو حزينًا، وضعت طرف السبّابة على شفتيه ألاعبه:
-  غوغووو


بقي عابس الوجه توقفت عن مداعبته:

- هيّا ما خطبك؟



سرعان ما تحولت نظراته مِن البراءة إلى .. حتى عبوس وجهه تبدل إلى .. اقتربت أدقق النظر في ملامحه، هل يبتسم بالخبث، ويحدق بي بالحقد .. أم يتهيأ ليّ؟ شعرت بالمهرّج الذي تراجع خطوة حذرًا حين أصدرت خطواته صوت اِحتكاك، نظر القرد إلى الببّغاء بعد ذلك نهض واستقام بمقامه ثمّ .. فجأةً .. زقح عاليًا بصوته الحاد ومزعج:
- أهدأ .. ما خطبك؟ ...

اتسعت عيناه وهو ينظر إلى الخلف، تلعثم المهرّج حين حاول نداء هيكارو للهرب:
- هي .. أنظر .. خلفه ...

عقد هيكارو حاجبيه متعجبًا مِن أمر القرد الذي واصل في الصياح، نهض مِن فوق اليابسة، نصت إلى ضوضاء تتفاقم مِن خلف القرد، ضجة أوراق الأشجار تتصافح، صاح المهرّج حين تكاثرت الحركة:
- أهرب .. الآن ..

بقي هيكارو فاغر فاه لبرهة وعيناه تترقب الحدث، لحظات وشاع الضجيج مِن بين الأغصان لأقدامٍ تقرع على اليابسة بقوة، وكذلك صياح القردة الحاد شاع في المقرّ بطريقة مخيفة، هرولت خمسة قردة عند قائدهم، نظرت أعين الداكنة الضئيلة إليهم، تراجع المهرّج حين لمح الشر يلمع في أعينهم، وقعت أنظار القردة على الببّغاء، أطلقت معًا صياحًا حاد، ثوانٍ واِزداد الضجيج، بدأت تخرج قردة مِن أماكن مختلفة، ثلاثة قردة أُخرى انضمَّت إليهم، تلهث وتتقدم ببطئ نحوهم، بات كلاهم مذهولًا مِمّا جرى، ضحكة هيكارو مرتبكًا، قال وعيناه ثابتة على مجموعة القردة:
- إنّها .. لطيفة .. لن تؤذينا بتأكيد، أليس كذلك؟ ...

نظر إلى المهرّج الذي هزّ رأسه نافيًا، بدأت أنفاسه تعلو وتهبط حين أصاب بالهلع:
- ليس كذلك؟


تصادمت بنيتهم بالبوابة أثناء تراجعهم، مدّ المهرّج ذراعه وقبض برفق على المقبض الذي خلفهم وأجسادهم الساكنة تقابلهم، أردف هيكارو:

- لن تفعل شيء ...


أصدرت مجددًا بعد صمتٍ مريب صوتًا مزعج، ثوانٍ وصاحت القردة ثمّ هرعت بيداها وقدميها إليهم لتهاجمهم، فتح المهرّج الباب حتى اندفعت أبدانهم إلى الداخل بسرعة البرق، سدّ البوابة في وجوه القردة الشرسة التي ضجيجها يخترق سطح الحاجز، استند المهرّج على سطح البوابة لاهثًا ومنحني مقامه يداري تعبه، في حين هيكارو متسمَّرًا أمامه ومصدومًا يحاول التقاط أنفاسه ...


__
ماذا يحدث! هجومها مريب كادت تسحقنا ... حاولت تهدئة ذاتي، نظرت إلى المهرّج حين استقام بهيئته، تساءلت حائرًا مِن بين اضطرابي:
- ما هذا؟! لم الحيوانات طليقة! .. أم هناك شيء ما يحدث؟

عدل القناع قال بإرهاق:
- لا أعلم! الأمر غريب ...

تجمد للحظة، توسعت أعين المهرّج صاح عاليًا يحذرني مشيرًا إلى الخلف:
- هناك .. خلفك ...

شعرت بحركة وقعت خلفي، ألتفتُ سريعًا لأواجه في العتمة ما يكون، تراجعت إلى الوراء مفزوعًا حتى سقطت أرضًا، ضممت الببّغاء إلي بقوة وعيناي المرتعبة تراقب الظلام، بينما حمل مهرّج المقعد ورفعه عاليًا حين خرج مِن منتصف العتمة شيء ما وأصدر صوتًا يدل على هجوم جسيم ما علينا ...
__

.

هتف شياو نافيًا:
- لا! خطتك ليست منطقية، كلّ ما سنفعله هو خروج إلى الخارج والبحث عن المخرج، ماذا لو عاد الأسد؟ وهذا باندا لا أرغب في تركه بمفرده ...

شرح الأمريكي خطته الذي لن تروق لشياو، هزّ الجميع رأسه يوافق على اِعتراض شياو:
- نعم .. صحيح، علينا أن نفكر بخطة ...

قال آدم ذلك، أطلق تنهيدة بالضجر هتف الأمريكي مجددًا حين شاهد رفض الجميع لفكرته:
- كما قلت! سيذهب كلّ منّا للبحث عن حلّ ومخرج، وإن شاهدنا الأسد سنستدرجه إلى هنا .. وثمّ نقفل البوابة ...

أردف آدم:
- وماذا لو عجزنا عن فعل ذلك؟ والأسد لا نعلم متى سيظهر، البوابة مغلقة أين سنهرب إن لن نجد مخبأ؟

أومأ برأسه أجاب:
- حسنًا .. فلنذهب أنا وألدو لنلقي نظرة، ما رأيكم؟

دار بعنقه نحو الأمريكي هتف ألدو مدهوشًا:
- ها؟

مرّر آدم أنامله على خصلاته مصدرًا تنهيدة يملؤها الحيرة وضيق، استجمع أفكاره عاد يتحدث إلى ألدو:
- ما رأيك يا ألدو؟

نظر في آدم مدهوشًا:
- ها؟ أنا؟

- نعم أنت!

أجاب آدم بحزم، اندفع ألدو إليهم حتى توقف أمامهم:
- لماذا أنا؟ هاو بين يفي بالغرض ...

صاح الأمريكي يقاطع حديثه:
- هل أنت جاد؟ إنّه ساذج لا يفهم شيء، سيلتهمه الأسد أثناء ما أشرح له بأنّ الأسد قادم. هل ستذهب برفقتي أم لا؟

دار ألدو نحو آدم قائلًا:
- ولماذا لا تذهب أنت معه؟

- يجب أن يبقى أحدهم قادرًا على التفكير هنا، إن ذهبنا أنا والأمريكي فستحدث هنا فوضى ...

- أستطيع أن أتولّى أمرهم جيدًا! لا تقلق بهذا الشأن ...

قاطع شياو حوارهم بعد مشاهدته لهم طويلًا:
- أنا سأذهب معه .. وأنتم اعتنوا بالباندا حتى نعود ...

ضحك الأمريكي بخفة ثمّ ردّ ساخرًا:
- حقًّا؟ وماذا ستفعل؟ هل ستلقي بأقوال وحكم على الأسد؟ أنت حتى بكاد تحمل نفسك!

تقدم آدم بضعة خطوات صاح منفعلًا بعد أن حاول السيطرة على غضبه:
- هي يا أيها الأمريكي .. تحكم بأعصابك وانتبه لكلماتك! أخرج أنت لوحدك ...

اقترب ألدو منه وقبض على كتفه يمنعه، حاول تهدئة غضبه الذي ينتهي الأمر به بكارثة:
- حسنًا .. أهدأ ... سأذهب معه ونرى ما نستطيع القيام به.



عدل أطراف معطفه، أشاح بوجه عن الأمريكي يتمالك، عاد حيث كان يقف سابقًا، تقدم ألدو إلى الأمام تحدث إلى الأمريكي لينهي الجدال:
- سأرافقك .. هيّا بنا ...

__
هذا الأمريكي بدأ يثير غضبي مِن تصرفاته الوقحة، لا يجيد سِوى الغضب والسخرية، تأملت الاِثنان متجهان إلى البوابة، هتفت أخاطب ألدو:
- كُن حذرًا ...

أومأ ألدو ثمّ عاد يواصل التقدم، أثناء ذلك تقدم هاو بين الذي كان يراقبنا في الصمت نحو ألدو والأمريكي وبدأ يسير برفقتهم، التفت الأمريكي إلى جانبه نظر إليه متعجبًا:
- ما بالك؟ عود حيث كنت تقف كالساذج ...

نظر هاو بين في الأمريكي مبتسمًا يواصل السير دُون أن يفهم حديثه، تنهد ألدو وتوقف، نظر إلي يستنجد بي:
- هل يمكنك أن تتولّى أمره؟

يا إلهي زودني بالطاقة لأتحمل كلّ هذا، إنّه ينظر إلي والاِبتسامة تعلو ثغره، كيف أشرح له الآن بأنّ عليه البقاء هنا! ...

__


قبض على ذراع هاو بين، هزّ رأسه نافيًا بينما أشار بيده إلى ألدو:
- اذهبا لن أدعه يخرج.


سحب ذراعه ليعود به، أدار هاو رقبته إلى الخلف يشاهد لحظة مغادرتهم، جرّر آدم جسده الثقيل إلى الأمام حتى أصبح يقف مقابله، فلت ذراعه ثمّ عقد ذراعيه محدقًا به، تأمله هاو بعدم فهم، مدّ بصره إلى الخلف عندما خرج ألدو بعد أن راقب الأرجاء، عاد ينظر إلى آدم منزعجًا، أشار إليهم وتفوه بكلمات لن يفهمها:

- عليّ الخروج معهم!


لكن ظل آدم يقف كالحاجز أمامه حتى أقفل الأمريكي البوابة، خبط هاو بين جسد آدم يرغب بالخروج، دفع آدم صلابة بدنه حتى إرتدّ إلى الخلف لاهثًا، أشار بيدايه إلى الأسفل:

- أبقى هنا!


ثمّ أشار بالسبّابة:

لا تخرج ...


رفع يداه إلى جانب وجهه يمثل له:

- هناك أسد سيلتهمك ...


أشاح هاو بين عيناه واتجه إلى شياو ليجلس بجانبه محبطًا في حين جلس آدم عند البوابة يخشى أن يخرج هاو بين فجأة ...

ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا