"لنبدأ"
أعرف جيدًا معنى أن ينطفئ بداخلك شغفٌ لشيء كنت تسير نحوه حافيًا...
* قبل عامين *
استيقظت بكسل شديد. كان الجو باردًا، والمطر في الخارج يفرض سكونه، مغريًا بالبقاء في الفراش الدافئ. لكنها لم تملك رفاهية الوقت؛ فقد استدعوها إلى المستشفى لعملية جديدة. طردت النعاس بعيدًا، إذ لم تنم سوى ثلاث ساعات بعد ليلة طويلة من العمل. سوء الأحوال الجوية أدى إلى كثرة الحوادث، مما جعل المشفى في حالة استنفار دائم.
نهضت بسرعة، استحمت على عجل، ثم غادرت إلى غرفة الطعام لتتناول قهوتها، آملة أن يساعدها الكافيين على الاستيقاظ. وجدت والديها جالسين يتناولان الفطور، فابتسما حال رؤيتها.
"إلى أين أنتِ ذاهبة؟ الوقت ما زال مبكرًا جدًا، وقد عدتِ متأخرة الليلة الماضية!"
كان صوت والدها، إدموند، يحمل قلقًا واضحًا؛ فقد بدت له متعبة جدًا.
أجابت بابتسامة مجامله ومرهقة:
"نعم، أبي. هناك الكثير من الحوادث في هذا الطقس، لذا سأبقى في المشفى الليلة، وقد لا أتمكن من الرد على الهاتف، فلا تقلقوا."
غادرت بعد أن سمعت صوته يوصيها بتناول الطعام وأخذ قسط من الراحة إن أمكن. لكنها لم تكن تملك الوقت الكافي لذلك، فقادت سيارتها بسرعة نحو المشفى العام، حيث كانت الفوضى تعم المكان.
استلمت جدولها من الموظف المسؤول، ثم أسرعت لتبديل ملابسها والتوجه إلى غرفة العمليات، حيث كانت أولى مهامها بانتظارها...
مرت ساعات العمل بوتيرة متسارعة، حتى وجدت نفسها أخيرًا تنهي جدولها عند منتصف الليل. شعرت بجوع شديد، فاتجهت نحو مطعم المشفى لإسكات معدتها، التي لم تتذوق شيئًا منذ الأمس. هناك، لمحت زميلتها في السكن وصديقتها المقربة، أيري، تجلس مع بعض الزملاء.
أخذت بعض الشطائر والعصير، ثم توجهت إليهم. كانوا يتبادلون الحديث عن يومهم الطويل والشاق، جميعهم متعبون مثلها تمامًا. لم يمر سوى ربع ساعة حتى اقتحم رئيس قسم الأعصاب المكان، يهرول بقلق، وملامحه لا تبشر بخير.
"أعتذر على مقاطعة استراحتكم، لكن لدينا حالة طارئة! وردنا اتصال يطلب سيارة إسعاف إلى أحد المنازل على أطراف المدينة. المريض في حالة حرجة، ويصعب نقله بسرعة، كما أن جميع الأطباء مشغولون... نحتاج إلى متطوعين فورًا!"
نهض الجميع على الفور، لكن الطبيب اختار خمسة منهم، من بينهم أليشيا وصديقتها أيري.
هرعوا إلى سيارة الإسعاف بعد تجهيز معدات الطوارئ، ثم انطلقوا نحو العنوان المطلوب. لكن الأمطار كانت غزيرة، مما اضطر السائق إلى القيادة ببطء، رغم اتصالات المشفى المستمرة التي تحثهم على الإسراع.
زاد السائق من سرعته، لكن بذلك، لم يكن قد سرّع سوى وقت الكارثة...
انزلقت السيارة على الطريق الزلق، وفقد السائق السيطرة على المقود. في لحظة واحدة، انحرفت المركبة، ثم سقطت من فوق الجسر، تتقلب في الهواء قبل أن تستقر أخيرًا على الأرض، محطمة تمامًا، بينما بدأ الدخان يتصاعد منها.
مر الوقت ببطء شديد... لم يكن هناك سوى صوت زخات المطر وصفارة السيارة، ولا حركة تُذكر سوى من شخص واحد داخل المركبة. كان يجلس بجانب السائق، فتح عينيه بصعوبة، لم يرَ شيئًا سوى الظلام، أو ربما كان هذا الظلام داخل رأسه فقط. تحسس المفاتيح لإرسال إشارة استغاثة، لكنه لم يجدها. بدأ بالضغط على جميع الأزرار بلا جدوى، ثم سرعان ما خانته قواه... وغرق في الظلام الأبدي.
فتحت عينيّ، لكن الرؤية كانت مشوشة. شممت رائحة المعقمات، وعرفت فورًا أنني في المشفى. لكن... لماذا أنا هنا؟ حاولت تحريك يدي، لكنها كانت ثقيلة جدًا. التفتُّ قليلًا، فسمعت أصواتًا مألوفة؛ صوت والدي، بكاء أمي، صوت فاليري وهي تحاول تهدئتها، كذلك صوت خالتي وجايسون... لماذا يبكون؟ هل... هل مت؟
لكنني أشعر بالألم...
لم أشعر إلا بضوء مسلط على عيني، وصوت طبيب يخاطبني بهدوء:
"أليشيا، إن كنتِ تسمعينني، حاولي تحريك إصبعك."
فعلتُ ذلك، فسمعته يقول مطمئنًا عائلتي:
"لقد استعادت وعيها، لكن جسدها بحاجة إلى وقت ليستجيب لها بالكامل، لذا لا داعي للقلق الآن."
غادروا، وبدأ الأطباء بفحصي، ثم قال أحدهم بلطف:
"تحمّلي قليلًا، طبيبة أليشيا. بعد نصف ساعة، سيعود بصرك بالكامل."
وبالفعل، بعد دقائق، بدأ بصري بالوضوح. حاولت تحريك يدي، لكنها لم تستجب. رفعت رأسي قليلًا، فرأيت ضمادًا كثيفًا يلف يدي اليمنى. شعرت برأسي يرفض استيعاب الحقيقة، حاولت إنكار ما أفكر فيه، لكنه كان واضحًا جدًا...
بعد لحظات، دخل رئيس المشفى، جورج، مع بعض الأطباء. رأيت الابتسامات على وجوههم، وعيونًا دامعة لبعضهم. تقدم جورج نحوي وقال بحرارة:
"حمداً لله على سلامتكِ، لا تعلمين كم أقلقتِنا!"
"سعيدون بعودتكِ، طبيبة أليشيا."
"لقد افتقدناكِ."
ابتسمت لهم، وأزلت قناع الأوكسجين عن أنفي بصعوبة، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:
"شكرًا لكم جميعًا... لكن ما الذي حدث؟"
بدت ملامحهم متوترة، فأكمل جورج بلطف:
"اشربي الماء أولًا، ثم استريحي."
ناولني أحدهم كوبًا دافئًا، فمددت يدي اليسرى لأمسكه، لكنها لم تحتمل ثقله، فسقط على الأرض. شعرت بارتباك الجميع، لكنهم سرعان ما ناولوني كوبًا آخر وساعدوني على الشرب.
قال جورج بنبرة هادئة:
"كنتِ فاقدة للوعي لمدة سبعة وأربعين يومًا."
اتسعت عيناي بصدمة. سبعة وأربعون يومًا؟! هل كنتُ نائمة طوال هذا الوقت؟
أومأ جورج قائلاً:
"جسدك بحاجة إلى إعادة تأهيل، لذا لا ترهقي نفسكِ، واستريحي قدر الإمكان."
ترددت للحظة قبل أن أسأل: "وماذا عن البقية؟ هل هم بخير؟"
ساد الصمت، وتجنب الجميع النظر إليّ. نظرت إلى جورج
بتوجس، لكنه تنهد قبل أن يقول بصوت خافت:
"الجميع بخير لذا ركزي على تعافيكِ فقط ولا تفكري في شيء آخر." ربت على شعري ليغادر مع البقية،
متحججين بعائلتي التي يجب أن تراني الآن.
تنهدت، فكنت أعلم أنني سأعرف في النهاية، لذا تركت فضولي جانبًا. طرق الباب لتدخل عائلتي الحبيبة،
استقبلتني أمي بعناق قوي وبكاء عالٍ. بادلتها العناق لأهدئها وربما لانها المرة الاولى لها بعناقِ كهذا :
"أنا بخير أمي، لا داعي للبكاء."
لكن ذلك لم ينفع معها، فقد بقيت هكذا لوقت طويل حتى نامت بين ذراعي.
أخذها جاي نحو الأريكة ليجعلها تنام. نظرت لفاليري وخالتي أيريكا، والدموع تملأ عيونهن الجميلة. فتحت ذراعي بسرعة لاعانقهما، متمتمة بمدى قلقهن عليّ.
ابتعدتا بعد فترة لأرى جايسون فوق رأسي. ابتسمت له:
"أتريد عناقًا أيضًا أخي جاي؟ "
"بالتأكيد لن أرفض." احتضنني هامسًا:
"حمداً لله على سلامتكِ صغيرتي، لو تعلمين كم قلقنا عليكِ."
ابتعدت لأنظر لهم متسائلة:
"أين أبي؟ لقد سمعت صوته، أليس كان معكم؟"
تجنبوا نظراتي بارتباك. قال جاي:
"لقد عاد للمنزل، ميليسا وبيان والأطفال وحدهم في المنزل، وقد تأخر الوقت."
أومأت لخالتي وأنا متأكدة أنها تكذب، لكني تجاهلت ذلك أيضًا.
غيرت فاليري الموضوع:
"أخبرنا الطبيب أنكِ لن تستطيعِ تناول الأطعمة الدسمة، لذا حضرت لكِ بعض الحساء الخفيف."
سحبت طاولة أمامي لتضع عليها الحساء، وجلست بقربي مبتسمة:
"هذه الأخت الكبرى ستطعمك."
انزعجت، لكني كتمته بداخلي بينما بدأت بتناول الطعام. أخبروني بما حصل طوال هذه المدة وأنهم لم يخبروا لوسيان أو رافاييل لأنهم في فترة اختبارات، متجنبين تمامًا الحديث عن الحادث أو حالتي أو عن زملائي الذين كانوا معي أو حتى عن أبي. أنا أيضًا لم أسأل عنهم.
مرت أسبوعين وأربعة أيام منذ أن استيقظت، وخلال هذه الفترة تحسنت صحتي وعادت حواسي. رغم أن صوتي كان مبحوحًا، إلا أن يدي اليمنى كانت سيئة جدًا، ولم يفارقني الألم. اليوم، أخيرًا، سأخرج من المشفى وأعود إلى منزلي الذي اشتقت له حقًا، وأبي الذي لم يظهر وجهه إلى الآن.
تنهدت لسماع طرق الباب، ودخل الطبيب جورج مع ممرضتين. ابتسم لي ليبدأ الفحص النهائي:
"ستخرجين اليوم إذًا."
"أجل، وأخيرًا، لقد مللت كثيرًا."
تذمرت، فربتت إحدى الممرضات على رأسي:
"لا بأس، آنسة أليشيا، فأنتِ لن تعودي هنا أبدًا."
نظرت لها وعقلي يخبرني بشيء خاطئ:
"ماذا تقصدين؟"
"أقصد أنكِ لن تستطيعين العمل... كطبيبة."
لم تكمل كلامها، ليصرخ جورج بها ليصمت:
"ماذا تقصدين بكلامها، طبيب جورج؟ " سألت وأنا أشد على يدي.
"إنها تتفوه بهراء فقط، لا تعيريها انتباهًا."
صرخت به وأنا لم أعد أحتمل هذا الغموض أكثر، تنهد وهو يمسح يده على وجهه متوترًا، لئلا يعرف كيف ينقلها لي بطريقة أخف ألمًا. وبعد صمت موجع، قال:
"أنتِ... لن تستطيعين العمل مرة أخرى كطبيبة."
اكمل بعد ان أقترب مني قائلًا بصوت منخفض وحذر:
"أليشيا... يدك اليمنى تعرضت لأضرار بالغة في الحادث، لقد حاولنا بكل الطرق، أجرينا أكثر من عملية جراحية، ولكن..."
توقف لثانية، وكأن كلماته تخونه، ثم أكمل:
"الأعصاب تعرضت لتلف دائم. يديكِ ستبقى ضعيفة، وربما تفقدين القدرة على تحريكها كليًا مع مرور الوقت."
"أنت تمزح، صحيح؟"
"يدي بخير، أليس كذلك؟"
"يمكنني العمل مرة أخرى؟"
نظرت له عله كان يمزح، لكن وجوههم المليئة بأسى شرحت لي الواقع المر. ضحكت بجنون، ثم ضحكت أكثر وأكثر، لتتحول بعدها لدموع وصراخ. نظروا لي بصدمة. أمسك جورج بيدي محاولًا تهدئتي:
"اهدئي أليشيا، لن تكون هذه النهاية، تفائلي قليلاً."
دفعته لأصرخ بقوة:
"أي تفاؤل هذا الذي سيعيد لي يدي؟! أنت طبيب وتعرف قيمة اليد لدى الطبيب!"
صمت بعدها لأنه يعرف ذلك، فها أنا قد خسرت مستقبلي المهني الطبي. لهذا السبب لم يقل أحدهم شيئًا طوال هذه المدة؟ لهذا السبب كان أبي يتهرب من زيارتي؟
"ماذا عن بقية زملائي؟ ما الذي حدث لهم؟ "
صدموا لسؤالي المفاجئ عنهم، ليقبلني الصمت كجواب. ضحكت ودموعي لم تتوقف:
"إنهم بخير، أليس كذلك جورج؟ لقد قلت أن الجميع بخير."
"توفي الجميع عداكِ، وطبيب كريستيان، لكنه خسر بصره."
قالها بخفوت وصعوبة كأنه يكلم نفسه.
بكيت كثيرًا وصرخت كثيرًا. لم أخسر عملي فقط، بل زملائي وصديقتي الوحيدة أيري. لماذا حدث هذا؟ ما الذي فعلته ليتم معاقبتي هكذا؟
' يا الله، أرجوك، ليكن هذا حلمًا أو كابوسًا مزعجًا، فقط ليكن الجميع بخير. لا، ليكونوا فقط أحياء، حتى لو خسروا أعضاءً أو مهنتهم... أرجوك يا الله، ليكونوا أحياء. سأقبل خسارة يدي، لا... مستعدة لخسارة كل أعضائي... فقط، فقط لا يموتوا '
أشعر حقًا أني خسرت كل شيء، الأمر أشبه بوقوعي في هاوية. هناك شيء عالق في حنجرتي مهما صرخت لا يخرج. إنه يؤلم كثيرًا، وقلبي الذي أشعر أنه يتقطع لأشلاء.
ملأ صراخي وبكائي ذلك الطابق. تجمع عائلتي وبعض الأطباء أمام باب غرفتي، وهم يحاولون حقني بمخدر. سقطت على سريري بدخول مفعوله بجسدي. وقعت عيني على الواقف بعيدًا، وهو ينظر لي بندم وقلق، وغيرها من مشاعر عديمة النفع........ أبي.
حاولت أن أنهض، أريد حقًا الصراخ عليه. كم كرهته في هذا الوقت. كم تمنيت أن لم يكن أبي. كل ما أعانيه الآن بسببه. لو لم يتدخل بذلك الوقت، لما حصل هذا الآن. لو كنت قاتلت لحلمي وقتها، لما كنت أتألم الآن. لكن الآن لن ينفع أي ندم، فقد سالت الدماء، والأموات لا يعودون.
يـتــبــــع ••••
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا