يعتقدون أن الانسان يموت عندما يتوقف قلبهُ ويدفن ، ولكن الاسوأ هو الموت وانت حي ، أنا مُت عدت مرات و أنا حي ، مُت عندما فقدت من أحب ، وعندما لم أستطع رؤية ابنتي ، ومتُ مرة أخرى عندما اخذوا حريتي من يدي ،
-فرات بولوت من مسلسل السجين
"لنبدأ "
# أليشيا
بعد تخرجي من الثانوية، تقدمتُ لاختبار القبول في الجامعة البريطانية، تحديدًا لقسم الفنون، بكل حماس. أخيرًا سأدخل التخصص الذي أحلم به، وأتعايش مع زملاء يشاركونني نفس الشغف. انتظرتُ بفارغ الصبر إعلان النتائج، متخيلةً كل اللحظات الجميلة التي سأعيشها هناك.
لكن صوت هاتفي قطع أحلام يقظتي. التقطته بسرعة، لأرى إشعار بريد إلكتروني من الجامعة. فتحت الرسالة بتوتر، مختلطةً بين الرهبة والحماس، لكن سرعان ما تبددت كل مشاعري بمجرد أن وقعت عيناي على تلك الكلمات:
"الطالبة أليشيا فاسيليا، مباركٌ قبولكِ في قسم الطب! لقد تم اختياركِ ضمن الطلبة المتميزين. نرجو حضوركِ غدًا عند الساعة الثامنة صباحًا لإكمال الإجراءات. شكرًا لاختياركِ جامعتنا، ونتمنى لكِ عامًا دراسيًا مليئًا بالتوفيق."
قرأت الرسالة مرارًا، غير مصدقة. هل هناك خطأ ما؟ لا بد أن شيئًا ما قد حدث! أنا لم أقدم لقسم الطب أصلًا!
نفضت عني الأفكار السلبية، مقتنعةً بأن الأمر مجرد خطأ إداري، لذا قررت الذهاب غدًا لتصحيحه. لكن، رغم محاولتي إقناع نفسي بذلك، لم يزرني النوم تلك الليلة. القلق كان ينهش صدري بلا رحمة.
مع أولى خيوط الصباح، نهضتُ من سريري بسرعة، اغتسلتُ وارتديت ملابسي، مستعدةً للخروج. انتهيتُ مبكرًا على غير العادة، فجلستُ لبعض الوقت في غرفة المعيشة. كان المنزل هادئًا، لم يستيقظ بعد سوى الطاهي وخادمتان.
وضعتُ سماعاتي واستغرقت في الاستماع إلى الموسيقى، محاولةً تهدئة توتري، لكن لم أشعر بالوقت إلا عندما لمست يدٌ كتفي، فالتفتُ لأرى جايسون يبتسم لي.
نزعتُ سماعاتي فورًا وحييته:
"صباح الخير، أخي."
ابتسم بحنان:
"صباح الخير، عزيزتي. لماذا استيقظتِ باكرًا اليوم؟ هل ستخرجين؟"
"أجل، سأذهب إلى الجامعة. يبدو أن هناك خطأً ما في قسمي، لذا سأتحقق من الأمر."
"حسنًا، سأوصلك إذن."
"لن تتأخر عن عملك، أليس كذلك؟"
"لا تقلقي، ليس لديَّ أي اجتماع مهم حتى الظهر."
اكتفيتُ بهز رأسي موافقة، ثم خرجنا معًا.
في الطريق، تناولتُ فطوري في السيارة بعدما اشتراه لي جايسون، الذي ظل يتحدث طوال الوقت عن أمور تافهة لمحاولة إلهائي عن توتري، ولم نشعر كيف مضى الوقت حتى وصلنا إلى الجامعة بعد خمسة وأربعين دقيقة.
ما إن دخلنا حتى توجهنا مباشرةً إلى مكتب المدير، متجاهلين نظرات الطلبة الفضولية. وبمجرد أن دخلنا، نهض المدير لاستقبالنا بابتسامة مصطنعة أزعجتني. جلسنا، فبادر جايسون بالسؤال فورًا:
"يبدو أن هناك خطأً ما في قبول أليشيا. هي لم تقدم لقسم الطب."
لكن المدير احتفظ بابتسامته المريبة وقال:
"لا، ليس هناك أي خطأ، سيد جايسون. الآنسة أليشيا قُبلت بالفعل في قسم الطب، فقد قدمت طلبها بنفسها."
انتفضتُ من مكاني بانزعاج:
"هذا غير صحيح! أنا لم أقدم لقسم الطب!"
لكن المدير رد بثقة، وكأنه لا يرى أمامه فتاة يوشك عقلها على الانفجار:
"لستِ مخطئة، آنسة أليشيا، ولكن والدكِ-أقصد، السيد فاسيليا بنفسه-جاء إليَّ وطلب تسجيلكِ في قسم الطب. وبعد مراجعة بياناتكِ، ثبت أن مؤهلاتكِ تتناسب مع القبول."
شعرتُ وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدمي.
"مستحيل... والدي لم يخبرني بأي شيء عن هذا! لا بد أن هناك خطأً ما!"
هز رأسه بهدوء زاد من غيظي:
"يبدو أنكِ لم تكوني على علم بذلك، لكنها الحقيقة. يمكنكِ سؤاله بنفسكِ. والآن، أرجو منكِ إكمال إجراءات قبولكِ."
كادت يدي ترتفع لتسديد لكمة لهذا المدير الوقح، لكن جايسون أمسك بي بسرعة قبل أن أفعل أي شيء أحمق.
"أعذرنا، حضرة المدير، لكننا سنكمل الإجراءات في وقت لاحق."
سحبني خارج المكتب قبل أن أفقد أعصابي تمامًا.
لم أستوعب ما حدث. لماذا فعلها والدي؟ لماذا لم يخبرني؟ كيف يمكنه تقرير مصيري بهذه البساطة؟
ركبت السيارة بجانب جايسون الذي بدا قلقًا عليها، لكنه لم يقل شيئًا طوال الطريق. كان يعلم جيدًا أن أليشيا غارقة في دوامة أفكارها، وأن أي كلمة غير ضرورية قد تشعل غضبها أكثر.
بعد دقائق، وصلت السيارة إلى مبنى شركة فاسيليا العملاقة، ترجلت أليشيا بسرعة، ولم تنتظر جايسون، بل سارت مباشرة إلى المدخل.
كان الموظفون يرمقونها بنظرات متفاجئة وهي تعبر الممرات بخطوات سريعة وحازمة، لكنها لم تهتم. ضغطت على زر المصعد بعصبية، وما إن فُتح الباب حتى دخلت مباشرة إلى الطابق السابع، حيث يقع مكتب والدها.
عندما خرجت من المصعد، فوجئت بوجوده أمامها، وكأنه كان يستعد لمغادرة مكتبه. التقت أعينهما للحظات، فابتسم لها بود كما لو أن شيئًا لم يحدث.
"أهلاً بصغيرتي اللطيفة، ما سبب زيارتكِ الجميلة هذه؟"
لم تجبه، كانت يداها مشدودتين إلى جانبيها، ووجهها متجمدًا. تجاهلت ترحيبه، كما تجاهلت نظرات الموظفين من حولهم.
"لنتحدث، أبي."
لم يفقد هدوءه، بل أومأ لها باهتمام، ثم استدار ليعود إلى مكتبه. تبعته بصمت، بينما كان جايسون خلفها، يراقب الموقف بقلق.
بمجرد أن دخلوا، طلب والدها من مساعده إحضار عصير وقهوة، وكأن هذه الجلسة مجرد لقاء عائلي عادي. جلست أليشيا أمام مكتبه، لكنها لم تضعف للحظة، بل سألته مباشرة دون مقدمات:
"لقد قُبلت في الجامعة البريطانية، هل كنت تعلم بذلك؟"
أجاب بثقة، وكأن الأمر لا يحمل أي أهمية: "بالطبع، مبارك لكِ عزيزتي. كما هو متوقع من ابنتي."
ضاقت عيناها، قبل أن تضرب سطح المكتب بقبضتها وتقول بصوت منخفض لكنه محمل بالغضب: "وهل تعلم في أي قسم؟"
رفع حاجبه قليلًا، ثم أجاب بنفس النبرة الهادئة: "القسم الطبي."
كانت كلماته كالصفعة، ومع ذلك لم تبدُ عليه أي علامات الندم أو التردد. على العكس، كان هادئًا كما لو أنه لم يدمر حلمها للتو.
"لماذا؟!"
انفجرت أخيرًا، صرخت بقوة وهي تنهض من مكانها، غير قادرة على تصديق ما تسمعه.
"لماذا فعلت هذا؟! لماذا لم تخبرني بشيء؟! كيف تجرؤ على تقرير مستقبلي دون حتى أن تسألني؟!"
لكن الرجل لم يبدُ متأثرًا بثورتها، بل أجاب بنفس البرود المعتاد:
"لأنكِ ابنتي، ومن واجبي أن أختار ما هو مناسب لكِ. أنا أعرف مصلحتكِ أكثر منكِ."
أليشيا لم تستطع أن تصدق ما تسمعه. تقدمت نحوه خطوة، وهتفت بقهر:
"لم تتدخل عندما اختارت فاليري تصميم الأزياء، بل دعمتها! لم تعترض عندما سافر لوسيان للخارج! إذن لماذا أنا؟ لماذا حياتي فقط هي التي تتحكم بها؟!"
لكن الجواب الذي تلقته لم يكن سوى جملة حطمت كل أحلامها:
"فاليري هي ابنتي البكر، وتخصصها سيفيد شركتي. أما لوسيان، فأنا أحتاجه لإدارة الأعمال في المستقبل. وأنتِ؟"
نظر إليها بحدة وهو يكمل:
"أنتِ لا تملكين أي موهبة في تصميم الأزياء، ولا تصلحين أن تكوني عارضة، ولا تمتلكين المهارات اللازمة للعمل في الإدارة. لذا، من الأفضل لكِ أن تصبحي طبيبة. توقفي عن التصرفات الصبيانية، لقد تركتكِ تفعلين ما تشائين لفترة طويلة ولم اجبركِ على أي شيء ، لكن هذا يكفي الآن لقد كبرتِ بفعل وحان الوقت لتفعلي شيً مفيداً "
وقفت أليشيا في مكانها، تشعر وكأن الأرض لم تعد تحملها . لم يكن الأمر مجرد فرض تخصص جامعي عليها، بل كان إنكارًا كاملًا لوجودها، لقد اختزلها والدها إلى مجرد أداة يمكن استخدامها حسب حاجته.
ضغطت أسنانها بقوة، وعيناها تمتلئان بالغضب والقهر.
"واللعنة على شركتك! ، لن أفعل ماتريده وسترى !"
صرخت بأعلى صوتها، ثم ضربت المكتب بقبضتها قبل أن تستدير وتغادر.
كانت بالكاد ترى أمامها، فقط أرادت أن تبتعد، أن تخرج من هذا المكان الذي يخنقها.
عند الباب، اصطدمت بشخص ما. رفعت رأسها لترى فاليري، التي كانت تنظر إليها بقلق ودهشة. لكن أليشيا لم تبالِ بها، تجاوزتها وخرجت دون أن تتوقف.
ركضت إلى خارج المبنى، والدموع تهدد بالسقوط من عينيها، لكنها لم تسمح لنفسها بالبكاء. ليس هنا. ليس أمام هؤلاء الأشخاص الذين لا يهتمون بها.
لكنها لم تكن تعلم إلى أين تذهب. لم يكن هناك مكان تشعر فيه بالأمان أو بالانتماء، سوى مكان واحد...
قدماها قادتاها دون وعي إلى استوديو التسجيل الخاص بها، المكان الوحيد الذي يعكس ذاتها الحقيقية.
ما إن دخلت، حتى أغلقت الباب خلفها، وألقت حقيبتها جانبًا، ثم استندت إلى الجدار وأغمضت عينيها.
كان قلبها ينبض بعنف، وكانت أنفاسها غير منتظمة، لكنها لم تبكِ... بعد.
لكنها لم تستطع المقاومة طويلًا. بعد لحظات، انهارت تمامًا، وانفجرت بالبكاء كما لم تبكِ من قبل.
لم تكن تعلم كم من الوقت مضى، لكنها عندما رفعت رأسها أخيرًا، كان صوتها قد بحّ تمامًا من كثرة البكاء والغناء في آنٍ واحد.
ولكنها رغم ذلك، كانت تعلم شيئًا واحدًا...
لن تستسلم. لن تدع والدها يسلب منها أحلامها بهذه السهولة.
حتى لو اضطرّت للتمرد عليه بكل طريقة ممكنة.
كانت هذا اكثر فكرة غبية افكر بها في ذلك الوقت.
لأنه بفعل أعط تحذيراً لجميع الجامعات التي قدمت إليها ولكن الجميع رفضها فهم لا يرغبون بخسارة المتبرع المهم لهم ، لذا فكرة بلحقاء بلوسيان و رافاييل حتى إنها جمعت أغراضها و قد ساعدها جايسون و فاليري على الحجز التذاكر وطلب الدراسة في جامعه التي يدرسون بها وقد وافقوا عليها وسارت الأمور جيدا لكنها لم تتخيل أن والدها سيلفي كل شيء و يأخذ اواراق سفرها وغيرها من وثائق مهمه حتى تخضع له في النهاية وتستلم بعد ان اجبرها بطريقته الخاصة على إكمال تعليمها في دراسة الطب
✦ ✦ ✦
انتهت ذكريات ذلك الوقت... لو لم يتدخل حينها، لما حدث كل هذا! اللعنة عليه وعلى شركته!
نهضتُ من سريري بعنف، ونزعتُ إبرة المصل من يدي بقسوة، لتسيل الدماء منها دون أن أكترث. كان الألم الجسدي تافهًا أمام روحي المحطمة، كزجاج مهشم فقد بريقه، حتى أنني لم أعد أشعر بشيء.
تقدمتُ ببطء نحو النافذة، لأشاهد الشمس تشرق من جديد، والناس يمشون هنا وهناك، يواصلون حياتهم وكأن شيئًا لم يكن... بينما عالمي انهار بالكامل.
انسابت دموعي بغزارة، شهقاتي تعالت، وأنا أتذكر إيري وبقية زملائي حين اتفقنا على الخروج في رحلة نهاية الأسبوع، علّها تخفف عنا ضغط العمل. لكنها كانت مجرد أماني لم تتحقق، تمامًا ككل شيء آخر في حياتي.
ازداد بكائي، وأصبحت أنفاسي متقطعة، لم تعد ساقاي قادرتين على حملي، فسقطتُ أرضًا، أحتضن نفسي بين ذراعيّ المرتعشتين. لا أعرف كم من الوقت مرّ، حتى شعرتُ بذراعين قويتين تحيطان بي.
كان جايسون... عرفته من عطره قبل أن أرى وجهه. تشبثتُ بصدره كالغريق، محاوِلةً أن أخبره كم أنا موجوعة، لكنه فهم دون الحاجة إلى الكلمات. كان يربّت على ظهري برفق، يهمس بكلمات دافئة، تحاول أن تهدئني، وقد نجح في ذلك فعلًا.
"أخرجني من هنا... أشعر بالاختناق."
همستُ بصوتٍ مبحوح، بالكاد استطاع سماعه، لكنه ابتسم بلطف وأومأ متفهمًا.
حملني برفق إلى السرير، ومرّر يده على شعري ليطمئنني:
"انتظري فقط، سأنهي إجراءات خروجك."
أومأتُ بصمت، ورأيته يخرج. بعد نصف ساعة، كان قد أنهى كل شيء، خرجتُ معه دون أن أصادف أي طبيب، وكأنهم تعمدوا تجنبي، ولا حتى أي فرد من عائلتي.
عندما جلستُ في السيارة، أخبرته برغبتي في زيارة المقبرة، لكنه رفض، واعدًا إياي بأن نذهب حين تتحسن صحتي، التي كانت تتدهور أكثر مع كل يوم. ثم أعلن أننا سنتجه لمنزله بدلًا من منزلي، متحججًا بأنه يريد الاعتناء بي بنفسه. لكنني كنت أعرف الحقيقة... كان يفعل ذلك لأنه يعلم جيدًا أنني لا أريد رؤية والدي أبدًا.
✦ ✦ ✦
بقيتُ في منزل خالتي إيريكا، ورفضتُ رؤية أي أحد. حبستُ نفسي في الغرفة، حتى أصبحت صحتي في أسوأ حالاتها، حاولتُ الانتحار مرارًا، لكنني فشلتُ كل مرة.
لا أعلم كم من الوقت مضى... كل شيء بات ضبابيًا، مشاعري تلاشت، وحتى دموعي جفّت من كثرة البكاء. لم يعد هناك شيء سوى الفراغ الموحش.
فجأة، تحطم الباب بعنف، لكنني لم أملك القوة لأرفع رأسي وأرى من فعل ذلك. لم يطل انتظاري، فقد رأيته يقف أمامي...
لم يمنحني فرصة للهروب أو المقاومة، حملني بين ذراعيه بقوة، رغم أنني حاولت الصراخ وإبعاده، إلا أنني كنت ضعيفة جدًا. خرج من الغرفة، وعيناي التائهتان بحثتا عن جايسون، فاليري، أو حتى عمي، لكنهم جميعًا تجنبوا النظر إليّ، وكأنهم استسلموا للأمر الواقع.
كان جايسون يعلم أنني سأفضّل الموت على الذهاب معه ، لكن يبدو أنه قد نال نصيبه من الرفض أيضًا، فوجهه المزرق ودم شفتيه المتشقق كانا دليلًا واضحًا على ذلك.
لكنني لم أعد أكترث لأي شيء... لم يعد لدي ما أخسره.
كنتُ أتمتم بهذه الكلمات بصوت خافت، بينما كنا في طريقنا إلى المطار، محاطةً بحراسه ، إلى جانب رجل غريب لم أره من قبل.
وعندما صعدتُ الطائرة، أمسك ذلك الرجل بمعصمي، محاولًا حقني بمخدر.
ابتسمتُ بسخرية داخليًا... هل يحاول خطف ابنته مرة أخرى ؟
يـتــبــــع ••••
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا
مخيف .. ان يكون مصيرك تحت تصرف شخص اخر ..حتى لو كان اقرب الناس!
رفع البلاغ
أليس كذلك! ( >Д<;)
رفع البلاغ