في المرة الماضية كان أمامها سبيل للهرب، أما الآن
فحياتهما مقيدة بداخل السياج... لم يدع مجال، فما إن بدأ الخراف بالحراك، انقض الذئب ليحصد وجبة العشاء، انتشر الذعر بين الخراف، يركضون في الأرجاء سعيا للنجاة يرتطم بعضهم بصاحبه، مسقطا إياه، بدت الأرض تحت أحدهم وكأنها تأبى الفراق، فمهما حاول الفرار إلا أنه يضل في نفس المكان، غيره وكأنه أصيب بالعمى يصطدم تارة برفاقه وتارة بالسياج حتى أدمي رأسه من كثرة الضربات.
من يتوقف يُدهس، ومن يتعثر يلقى المصير ذاته..
.. وفي حضرة الخوف لن تجد وقتا للشعور بالألم.. ليرسم الرعب لوحة معاناة، تتباين ألوانها بين كسور وجراح..
في ظل هذه الفوضى حاول صهبان جمع الخراف على صوت واحد ولكن لم يجد جوابا..
استنجد الصغار رواكًا، و من بينهم ليمون ونعناع، اختبؤوا خلفه، يبحثون عن مهرب، عن أمان.
هجم الذئب عليهم، تصدى له رواك، هربوا خوفا من أن تنالهم أنياب ذلك الوحش، وربما لم يكن الخطر الوحيد في هذا المكان..
التفت كل من فينان و صهبان يحدث أحدهما الآخر، « مالذي علينا فعله؟ انحطم السياج؟ »
وفي لحظة وكأن الزمن توقف يركض صهبان مسرعا باتجاه ليمون ونعناع، يرى سيلا أقبل جارفا، يحطم كل ما يمر به، سيل محمل برعب وخوف و رغبة ملحة بالنجاة..
وفي رمشة عين يمر السيل..
وفوق الصغيرين حام الرحيل، ليقطف وردة، ينبت بعدها العويل.
وبتوتر يصرخ صهبان باسمهما، يردده مرة ومرتين، يتقدم والقلق مرسوم بعينيه، يسمع اعتذار سندال،« لو أنني تحركت باكرا، لو لم أكتفي بالمراقبة » وأمامه ليمون، يصرخ باكيا، على جثمان نعناع، يحكه برأسه، « انهض.. ليس هذا وقت النوم، انهض.. علينا الهروب نعناع أرجوك انهض.. لن أفكر مرة أخرى بالخروج!،» حاول صهبان حبس دموعه، إلا أنها أبت إلا أن ترقص على أحزانه.
ركض سندال صوب ذلك السيل، وقف أمامه، غاضبا « توقفوا أيها الحمقى، فقد قتلتم ابنكم.. » ليصنع سدا بدموعه وحقيقة ما رأي.
هدأ ذلك السيل شيئا فشيء، فلم يعهدوا من سندال أن يكون بهذا الغضب أو يبدي مثل هذا الشعور..
أكمل حينها « هروبكم العشوائي هذا سيسفر عن المزيد من الضحايا، إجتمعوا اقتربوا، شكلوا دائرة احيطوا بها الصغار وانهوها بالأكبر سنا، لا تدعوا مجالا، أو ثغرة تسمح للذئب بالوصول إليهم »
سأله فينان « لم نفعل ذلك ألا يعرض ذلك الأكبر سنا للخطر؟ »
أجاب سندال بثقة حينها« لن يفعل، لن يهجم على الكبار »
أثناء ذلك لم يكن صهبان بأفضل حال، كان يرى في ذلك الصغير نعناع الطفل الذي كان عليه في السابق، لذا قرر الهجوم، على من أحدث كل هذه الفوضى..
اتجه إلى الذئب بغية الانتقام، يهش برأسه يمينا و يسارا معلنا التحدي، يأمره رواك بالتراجع إلى حيث سندال ولكنه يأبى، يضحك الذئب، « قبلت تحديك أيها الفتى » ينقض عليه، يتجنبه صهبان بصعوبة، يحييه الذئب مستفزا، « أوه تافد رائع أحسنت استمر بذلك أرني المزيد »
يصرخ صهبان حينها « سأنتقم سأجعلك تندم.. » لم يكمل كلامه إلا و الذئب يحوم فوقه..
ووسط مرأى الجميع، أطبق الذئب على رقبة صهبان، لينفجر الدم منها، وينتشر كزخات المطر..
ابتسم الذئب، وقد امتزج لعابه مع الدماء..« أكنت تظن أن آكل أعشاب مثلك سيلحق بي أي ضرر» ركل جثة صهبان بقدمه ضاحكا« أوه أعتذر لقد مت سلفا »
رمق الخراف بنظرة« يبدوا ان أحدكم يملك عقلا على الأقل» مشيرا لسندال..
التفت بعدها إلى رواك الذي وكأنما كسرت شوكته بعد كل ما رأه، انقض لينهي عليه ، حينها جسد يكتسي بالرماد يقف رادعا بينه وبين الخراف..الذئب ذو الندية عاد مجددا ليحمي الخراف!؟
توقف الذئب الآخر يسأل مستغربا « آزر؟ مالذي تفعله الآن؟ »
« هذا يكفي يا جبر لقد نلت كفايتك لن أسمح لك بفعل المزيد »
وقبل أن ينطق جبر بأي كلمة أخرى هجم عليه آزر، لم يترك له فرصة لالتقاط أنفاسه حتى، يحاول جبر في كل مرة تجاوزه ومهاجمة الخراف ولكن يمنعه آزر في كل مرة، حتى اعتلت أصوات الرصاص والنباح واقتربت، قال آزر حينها «ألحقوا بي بهذه السرعة»
هرب جبر فقد أدرك ألا فرصة له إن بقي.
أما آزر اقترب من رواك، و همس بإذنه ثم غادر مسرعا..
عندما عاد الرعاة وجدوا جثتي صهبان ونعناع، إضافة إلى العديد من الإصابات من جروح وكسور في أغلب الخراف..
ومن جانبهم لم تكن تلك الخسارة الوحيدة، فقد وجد مرقط جثة هامدة، وأصيب طراد في عينه أيضا..
في مكان آخر يعود آزر إلى وكره، يستقبله الصغار، يحيونه كما الأبطال، ووسط هذه الحفاوة صوت يطلبه للحديث ذئب كبير السن نحيل الجسم باهت اللون خشن الصوت يقول له « أما زلت عازما »
أجابه آزر «لم أتوانا قط يا أخطل »
تنهد يائسا وكأنه حاول قبل ذلك العديد من المرات «ولكن أخبرك، لن تسعد بما سيفعله البشر أنت لا تعرف الرعب الذي يحدثونه، ألم تسمع ما فعلوه بأسلافنا قبل زمن ..»
قاطعه آزر وكأنه لا يريد أن يسمع بقية ما يريد قوله «نعم أعلم لقد أخبرتني بهذه القصة كثيرا، ولكن لقد سئمت مما نحن عليه، لقد سئمت من رؤية إخوتي يموتون ..»
قال آزر هذه الجملة، وتدفقت أمامه العديد من الذكريات، لحظات تحمل بين أوراقها دماء وآلام، تمر أمامه ذكرى لوالديه عندما شارك في أول محاولة صيد له، يرى دماء تتقاطر وجثثا تتطاير..
حينها اقترب منه أخطل « ما تفعله سيسفر على العديد من الضحايا، البشر يقضون على نوع كامل لأجل أن يستمتعوا فقط، لذلك إغضابهم لن يكون أمرا جيدا..
أخبرني جدي..أنه عندما كان صغيرا أفاقوا يوما على صوت الرصاص، الكثير والكثير من البشر كانوا يحومون بالقرب من أوكار الذئاب، نصبوا العديد من الفخاخ، كان بعضنا يموت بعد أكل لحم وجده في الطريق، والبعض الآخر، يطبق على قدمه فك معدني يمنعه من السير، يبقيه في مكانه، إما أن يموت عطشا، أو يقتله أحد البشر، لم يكن هدفهم من صيدنا ومهاجمتنا إطعام أبنائهم أو الدفاع عنهم، كنا نرى جلود إخوتنا و أجسادهم تعلق وكأنها جوائز، كانوا يضحكون، يتفاخر الواحد فيهم كم واحدا أطاح منا، كانوا وحوشا.. كانت تلك الأيام أكثر الأيام رعبا قد يراها ذئب في حياته، وبفعلتك قد تعيد تلك الأيام مرة أخرى »..
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا