بالقرب من الخراف، تشرق الشمس على جبر، يستشعر دفئها، ترافقها لقطات هرب وأصوات رصاص وضحك.. 

ليفيق فزعا، وألم يخز كتفه الأيمن.. يفتح عينيه ليرى أمامه الكلب رهدان، ينهض رغم ما به، يستعد للهجوم، تمنعه إصابته من الوقوف باعتدال، يلمح حينها بشريا يمسك سكينا ويتقدم ببطء نحوه.. 


« هل رأيت أن أمانكم زائف » لم تفارق هذه الكلمات مسمع رواك أبدا، وفي كل مرة تطرق باب مسمعه، يرافقها لحظات موت صهبان ونعناع، تلك الكلمات التي همس بها آزر، ثم فر هاربا، يتساءل بينه وبين نفسه « هل أخطأت، هل يكون ذا الندبة محقا؟» ليشعل بذلك حربا بداخله،« لا لم أخطئ، و الذئب يبقى ذئبا مهما تغير الزمان»« ولكن ما قاله وقع بالفعل» « ما حدث طبيعي » «ماذا إن تكرر الأمر؟ » « يمكننا تديره حينها» «ماذا عن كلام البقية وثقتهم بك» «هناك ما هو أهم لا تهتم به» لم ينتبه رواك أن آخر جملة قالها سمعت بالفعل، هربت من عقله، والتجأت بلسانه، لتصل لمسمع فينان الذي كان ينتظر إجابة مختلفة لسؤاله، «ماذا نفعل بشأن ليمون؟ »


لينفجر فينان، « ليس مهما، ما المهم إذا؟ الطعام؟ البقاء حيث نحن، انتظار الذئب مرة أخرى ليلتهمنا؟ لم أكن أتخيل أني سأتفق مع ما كان يقوله صهبان بحقكم، كنت أحترمك، ولكنك سقطت عند أول معضلة، انكشفت على حقيقة » 

ينظر رواك مستغربا « فينان؟ ما بك؟ »

«وتسأل أيضا، يبدو أن الكبر أخذ منك مأخذه، فما عدت تعي ما تقول.. »


من بعد هذا، لم يعد أحد يستمع لرواك أبدا، لم يعلم ما السبب، الكل كان يتحاشاه، ليكتشف لاحقا مايقال « رواك ليس مهتما بما جرى.. أسمعتم آخر شيء يبدو أن رواك سعيد بموت صهبان.. ذلك العجوز يخاف على منصبه من بعض صغار.. يبدو أن الذئب ذا الندبة كان محقا.. »


هذه الشائعات كانت الضربة الأخيرة، من بعدها أخذ رواك يقلل من حدة تصرفاته، لم يسعى لتغير أو تحسين سمعته، ولكن إن كان خروجي عن الصورة يدفعهم لأن يجتمعوا على رأي واحد وإن كان ذلك على حساب سمعتي، فلا بأس.. كان يردد هذا بينه وبين نفسه طوال الوقت إلا أن ما جرى كان أثقل من أن يكون هذا هو الثمن الوحيد.. « لماذا لم تدافع عن صهبان، لماذا جعلته يموت؟ » 






الاتهامات التي كانت تطال رواك جعلت منه مهزوز الثقة، لم تعد تشكل الحياة له أي فرق، لذا عزف عن الطعام والشراب، لم يبالي أحد من الخراف برواك أبدا، إلا ليمون وسندال..


كان وسندال يرعى صديقه بين الفترة والأخرى بحكم ما بينهما من حياة عاشاها واقتسما كل شيء فيها، وذات يوم يقترب سندال وقد أثقل قلبه بكلمات الفراق، شاهد البشر وقد شحذوا سكاكينهم واسم رفيقه يتناقل بينهم..


اقترب منه جلس بقربه، لم تسعفه الكلمات وأبت إلا أن تبقى حبيسة قلبه، مال عليه برأسه، يشتمه يدغدغ وجنته، كمن يحفظ رسمه ليبقى معه بعد رحيله.

إلتفت إليه رواك، بدا كأنه سمع نداء قلبه، « يبدو أنها النهاية إذا.. »


كان ليمون يرى كل هذا، لم يفهم ما قام به سندال، وبعد وقت بسيط أقدم الرعاة وسحبوا رواك، جسمه النيل الذي اختبأ خلف كثافة صوفه سهل عليهم الأمر، ارتمى بين أيديهم بلا مقاومة، قدم رقبته مسلما حياته، وانطفأ نوره.


بعد فترة علم بقية الخراف بما جرى، الأمر طبيعي، ولكن الأحداث الأخيرة لم تدع مجالا لشيء يبدو كما هو..

انتفض فينان«الخروج من هذا المكان أصبح مطلبا، أسمعتم المكان الذي ظنناه أمانا يأخذنا الواحد تلو الآخر، فالأول الصغير نعناع، ثم صهبان، والآن يلحق بهما رواك، من يعلم من يكون التالي، ربما أنا وربما أي أحد منكم، لا يمكننا البقاء في هذا المكان أكثر من ذلك »

اجتمع الكثير حوله مؤيدين لم يقوله، الصوت الذي كان يعارض هذه الفئة لم يعد له وجود، القليل صامتون، و الأغلب يسير مع الجموع..


في مكان آخر بالقرب من الخراف، يغمض جبر عينيه، كحل أخير و وحيد للدفاع، يقي بذلك نفسه هجوم البشري الذي امتدت أياديهم نحوه..  

أحس بألم بعض الشيء ولكن عندما فتح عينه، رأى البشري يضم جرح كتفه الأيمن، حينها سلم نفسه وهدأ حتى انتهى الأمر.. 

التفت إلى رهدان الذي كان يراقب بحذر، « لماذا يفعل صاحبك هذا؟»

نهض رهدان واقترب من جبر بهدوء « إنه أمر غريب أليس كذلك؟ لقد مررت بهذا أيضا، كنت شريدا، أجوب القفار بحثا عن الطعام، وجدت هذا المكان، وهجمت بلا تفكير، فلم يكن عقلي يعمل، كل ما كان يقودني للحراك هو جوعي، إصبت برصاصة حينها، هربت على إثرها بلا توقف، إلى أن سقطت، وعندما فتحت عيني مرة أخرى وجدت نفسي في نفس موقفك، أطعمني هذا الرجل وسقاني، حتى لم أعد أعلم كيف أشكره من يومها وأنا أرافقه أين ما ذهب.. »

  

نظر إليه جبر ضاحكا،« يبدو أن إخضاعكم أسهل من قتلكم، إن كنتم ترضون بالطعام فقط »

« كنتم؟ من تقصد؟ » سأله رهدان. 

« أنت والحمار الوحشي و الهجين الحقير ثلاثتكم »

« تقصد مرقط وطراد، راعيهما مختلف لذا لا أعلم عنهما شيئا، ولكن سمعت أنه يسيء معاملتهما، ولا يعطيهما الطعام الكافي. »

ابتسم جبر ساخرا « أرأيت ها أنت تتكلم عن الطعام مجددا، لا تقل وضاعة عنهم إذا »

انقض رهدان على جبر، وثبته على الأرض سريعا، مانعا إياه من أي حركة، « يبدو أنك تفتخر بقوتك، واسمك كثيرا، أيها الذئب، ولكن ليس كل الأمور تقاس هكذا، أما القوة فها أنت ذا يمكن للبشري قتلك يمكنني ذلك أيضا، ويمكن الأصغر كائن النيل منك، ولن تستطيع فعل شيء، الأمر أبعد من كونه طعاما، مالذي أتى بك، أليس الجوع، أم أنك كنت تبحث عن المتعة؟ إن كان كذلك فإنك غبي يحاول إرضاء غروره لا أكثر.. »

رفع رهدان مخالبه عن جبر، وقد صدم الآخر برد فعله،« لم كل هذا الغضب »

«لا تتعامل معي وكأنك تجهل الأمر، تقتل وتسخر ممن قتلته، وتطلب مني الهدوء »

رمقه جبر بنظرة استغراب « من تقصد؟ »

« أقصد مرقط، ألست من قتله، أم أنك أصبحت تنسى؟ »

نهض جبر وبعينيه الكثير من الأسئلة « صحيح أنني واجهته وأصبته ولكن هي مرة، ولا يمكن لإصابة بالعين أن تفعل هذا؟! »

ليكمل رهدان « أتقصد أنك لم قتله، إذا من؟ »

الكثير من الأسئلة تتوافد إلى عقله، كلها لا تملك إجابة واضحة..


ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا