باريس _ 1/1/1985
لم أكن أتصور أن هذا اليوم آت، من هنا تبدأ أول نوتة من معزوفة والدي، سيتمايل الكمان، ويرقص بيض طوال رفقة سود قصار، رثاءً لمن أفنى وقته يرسم الألحان.. ليحفر ختام معزوفتي في أذهن الناس، يصفقون لآهاتهم، ينشدون لحن آلامهم، هنا تكتمل فرقتي و سيمفونيتي..
«رينيه درو.. لوسيان إدموند.. آل أوغستين.. آرسين لوبلان»
حفرت هذه الأحرف طيلة العشرين سنة الماضية، التأثير الذي تركوه لم يكن بسيطا، لذا وجب أن أبادر بالمثل، سأكون لئيما إلم أفعل، أليس كذلك؟!
اليوم قابلت عازف الكمان الشهير "رينيه درو"، فبعد انتهاء الحفل الذي كان مشاركا به قدمت نفسي كصحفي، وبمعرفتي عنه بأنه محب للأضواء، لم يتردد لحظة في القدوم، هذا الرجل يتغذى على الإهتمام..
رغم كل تلك السنوات إلا أن رسم وجهه المتباهي لم يتغير، حاجب ازداد كثافة، وشارب نحيف ملتف يغطي وجنتاه، تلك التي أحمرت حينما اختلفت الأسئلة التي أطرحها عليه..
« بما أنك يا سيد "رينيه" عازف شهير ومتذوق للألحان التي تعزفها، أسبق أن قدم أحد الملحنين لحنا لم يكن له ونسبه لنفسه ورضيت بذلك »
كانت ردت فعله غريبة حقا، يتقاطر العرق منه كشجرة أسقطت أوراقها الندى..
« مالذي تقصده أيها الصحفي، هذا لم يحدث أبدا »
أخذ يعدل ربطة عنقه، ويهذب شاربه، و يحك خديه، هذه الحركات كتب لها التوقف، عندما أخرجت ورقة من جيبي كتبت عليها اسم شخص ما ومددتها أمامه..
« ما رأيك بهذا إذا؟ »
ظللت أراقب عينيه الفزعتين، ويداه المرتعشتين، رغم أن الجو داخل الغرفة لم يكن باردا بل دافئا، إلا أن بعض الأشياء قد تكون أكثر برودة من الثلج نفسه..
«ما الذي يعنيه هذا؟ أتعرف من يكون "شوفالييه غارمال"؟ »
«من يدري، إن كنت تريد معرفة المزيد.. وأريد أن أسمع منك أيضا، فما رأيك أن نغير المكان.. هذا يصب في مصلحتك أيضا، لن يسعد الناس بعرفة الأمر..ألا تعتقد ذلك »
هذه الكلمات كانت كفيلة بكتابة أول نوتة من معزوفتي، غدا تستيقظ باريس، وأحد أوتار الكمان قد قطع..
باريس _ 2/1/1985
في صبيحة اليوم الثاني من شهر يناير، يقف المفتش " موريس مارتن" ، في وسط غرفة فندق " جوزيف بولون" وهو فندق يتسم بطابع كلاسيكي، و نقوش أزهار، متفرقة تملأ الجدران..
يقف وأمامه جثة العازف " رينيه درو" ، الذي لو نجا مما جرى لن يعود للعزف ثانية، فقد بترت أصابع يديه، إضافة إلى شق حلقه الذي تسبب بوفاته..
«من الذي قد يفعل شيئا كهذا »
«أظنه شخصا يحمل أحقادا أليس كذلك يا موريس، أم علي القول حضرة المفتش»
التفت المفتش موريس خلفه، ليرى صديقه لاكاس..
«لاكاس! مالذي تفعله هنا؟! »
«لقد تم توضيفي، يبدو أن الأمر يرتبط بفنانين آخرين كذلك »
ضحك المفتش موريس، « أرجو أنك لم تفقد مهاراتك بعد استقالتك؟! »
تنهد لاكاس وقد أخرج سيجارة و وضعها بين خنصره و بنصره،« صحيح أني استقلت ولكني أعمل محققا خاصا، أحقق حين أريد وبما أريد، لا أتعب نفسي في معارك خاسرة.. رغم أني خسرت كل شيء بالفعل.. »
«يبدو أنك تغيرت منذ تلك الحادثة؟ إذا ماذا تعتقد حول الجريمة »
زفر "لاكاس" الدخان، واستند على الجدار بظهره، وضع يدا بجيبه والأخرى تأمل بها خاتم زواجه« ليس لدي يقين تام، ولكن لا أظن أن هذه آخر جريمة، قد نستيقظ غدا ونحن نواجه قاتلا متسلسلا»..
يتبع...
ملاحظات الكاتب
الفصل قصير ولكن أرجو أن ينال على إعجابكم.
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا
أحسنت بهر , التعمق في الثقافة المسويقية ودمجها مع الحماس والاثارة ليس سهلا
رفع البلاغ
هذا من طيب ذوقكم، بالفعل في الأمر تحدٍ
رفع البلاغ