وهج الشمس الحارة.
أصوات مبعثرة تأتي من جهات لا يميزها .
يقف جورجي وسط مساحة بيضاء ضبابية، تحيط به أشياء مختلفة من كل جهة.
إلى يساره: السيرك، بأقمشته المرتفعة وألوانه المتنافرة.
إلى يمينه: قرية ريفية صغيرة، غارقة في سكونها.
خلفه، ظلال لأشخاص يعرفهم، أو ربما ما تبقّى منهم في ذاكرته.
وأمامه... نفسه.
يرتجف,جسده مغطى بقطعة قماش واحدة بالكاد تستر جلده المتوتر.البرد ينخر العظم، رغم وهج الشمس الذي يحيط به من كل جانب. النسخة التي أمامه كانت ساكنة، بعينين خاليتين من الفضول، تطلان كما لو أن كل ما يحدث لا يخصها. وفي ملامحها... نظرة مألوفة. تلك النظرة التي يعرفها حين يحدق في المرآة. اقتربت بخطى هادئة، بلا تردد. ثم رفعت يدها ببطء، ووضعت أصابعها على صدره.
لحظة صمت. ثم...
انغرست الأصابع في جلده كما لو أنه طين. لم يكن مؤلمًا، بل شعور بانفتاح ضيق، صدره انقسم بهدوء، من العظم إلى الداخل، دون دم، دون صرخة. وبدأت النسخة الأخرى في الانزلاق إلى داخله. كان يراها تدخل كما لو أن جسده حفرة مفتوحة. لم يتراجع. أو ربما لم يستطع، كأن أحدهم يثبته في مكانه.
الضوء بدأ يضطرب، والبخار الأبيض صار أكثر كثافة، والرجفة اشتدّت. كأن صدره لم يعد يتسع لما فيه.
اغمض عينيه وكان جسده يسقط في الظلام مع سماع نشيد لم يتوقف منذ بداية الحلم...
انتفض فجأة وفتح عينيه. أنها الساعة الثامنة وستة وعشرون دقيقة. صدره يرتجف بشهيق ثقيل، كما لو كان يغرق للتو. جلس بتراخٍ، تنهد وتمتم بصوت خافت
"هذا يحدث مجددًا... مزعج."
رفع يده إلى صدره، مرر أصابعه ببطء فوق العظم، كأنه يتحسس أثرًا لا يُرى.
تنهد مرة أخرى، أعمق هذه المرة.
ثم بقي جالسًا، جامدًا، عينيه تحدقان في جسده المنعكس على زجاجة مشروب كانت فوق الطاولة القديمة و المتهالكة.. مرت دقائق، قبل أن ينهض أخيرًا.
خطواته كانت بطيئة، لكنه اعتاد هذا الثقل الصباحي.
***
خرج من الخيمة بخطى هادئة، واتجه نحو خيمة الاستحمام. في الخارج كانت الشمس ساطعة ،أما الهواء كان باردًا ، لكن ما إن فتح الستار السميك حتى لفحه دفء كثيف مشبع بالبخار والرطوبة. خيمة الاستحمام كانت تضج بصمت ثقيل، كأن كل من فيها لم يستيقظ تمامًا بعد.
البخار يعلو من مواسير المياه القديمة، يتسلل مثل ضباب رمادي كثيف، يبتلع الأشكال ويحولها إلى أطياف. رائحة الصابون الرخيص ممزوجة برائحة الصدأ والماء الدافئ، تملأ المكان. المواسير المعدنية في الأعلى تقطر ماءً متقطعًا، تصدر أصواتًا باهتة كأنها تنهيدة متعبة. الأرضية الخشبية تئن تحت الأقدام، بعض الألواح بدأت تتقوس من فرط الاستخدام والرطوبة. عند جدران الخيمة ، توزعت كراسٍ خشبية صغيرة، جلست عليها أجساد شبه عارية، بعضها مبلل، آخرون وقفوا، ينتظرون أن يُفرغ مكان ما. وعلى الطرف، جلس البعض على الأرض، بينما يمشي كانت عينيه نصف مغمضتين، وجهه لا يزال متجمدًا من أثر النوم، ملامحه لم تذُب بعد في دفء المكان. لم يتكلم، اخذ ينظر إلى الأشخاص من حوله ،يبحث عن احدهم . البخار يحجب تفاصيل الأجساد، يتركها ظلالًا باهتة تتحرك ببطء في الخلفية. شمس الصباح تتسلل عبر الشقوق الدقيقة في القماش، ترسم خطوطًا باهتة من الضوء... في المنتصف، كان هناك مقعد فارغ بجانب الحوض الحجري، وقف جورجي أمامه، يتأمل دون أن يبدو عليه التأثر، الفتى الافعى، او لاري كان قد سبقه إلى هنا، وترك له هذا المكان، كما يفعل دائمًا. مقعد صغير، عليه منشفة مطوية بعناية فوقه لكنها بمثابة مساحة محجوزة. فجلس جورجي على المقعد، بجانبلاري ، يحني ظهره قليلًا، ينظر إلى الأرض الخشبية المتشققة أسفل قدميه ، حرّك جورجي الماء تحت قدميه، حركة خفيفة مقصودة، يُنبه لاري إلى حضوره.
رفع لاري رأسه فورًا، عيناه على جورجي، شفتيه انفصلتا بالكاد
"..."
لكنّه لم يُكمل، او حتى لم يبدأ. صوت آخر قد تدخل
"انظروا من قرر الانضمام لنا ! نجم النار!"
صاح أرنو بصوت عالٍ، رافعًا يديه في الهواء كمن يعلن عن عرض مسرحي. واقفًا تحت الماء مباشرة، شعره الذهبي مبلل، وقطرات الماء تنزلق على جسده عضلي البنية، وعلى وجهه ابتسامة لا تهدأ وعينان مبتسمتان.
"دعني اخمن! حلمتَ أنك تلعب مع طفل؟ أو ربما... أنك أنقذت طفلا؟"
قهقه، وضرب الماء بيده مما جعل الرذاذ يتناثر.
اكتفى جورجي بالتنهد وفتحَ أحد المواسير ، تاركًا الماء ينسكب على الأرض. من الجهة الأخرى، كان لاري يجلس بهدوء على المقعد الخشبي، يُجفف قدميه وقد بدت على ملامحه علامات الضيق ...
"هل يمكنك التوقف عن الصراخ كل صباح؟.."
قال بنبرة منخفضة،و شبك حاجبيه، دون أن يلتفت لأرنو
"الصراخ؟! يا رجل، هذا صوت الفرح! إننا عراة و محاطون بالبخار والماء ، نستحم كالعائلة! .. و الأروع هو أنه يحدث في خيمة استحمام السيرك الأكبر! ، أليس هذا حلم كل طفل فرنسي؟!" صوت الفرح كان صاخباً كالعادة ،
"أنت فقط شخص مزعج، هو حلم الجميع... لكننا لا نستطيع الفرح وأنت تصرخ هكذا كل صباح! "
رد لاري وهو ينظر إلى جورجي، بدلاً من ارنو
"أوه، لا تبدأ. لسنا في عرض الآن.. لدي تدريبات كثيرة و لا اريد العقاب بسببكما.."
تمتم جورجي دون نية للدخول في نزاع معهما. أرنو مد يديه بعرض مبالغ فيه نحو جورجي
"يا صاح! العزل ليس عقاب.. بل هو كالتقرب من أعضاء خيمتك المشتركة !"
صاح أرنو بنبرة درامية. تنهد لاري، اغلقَ الماسورة فوقه ،و احكم لف المنشفة على خصره
"هذا اليوم قد بدأ بشكل سيء..."
تمتم لجورجي بصوت منخفض. أومأ جورجي برأسه، ومرر يده مجددًا على صدره، كما لو كان يتأكد أن جسده ما زال في مكانه، وأن ما عاشه منذ دقائق لم يكن أكثر من مجرد حلم. الماء انهمر على رؤوسهم، وامتزج صوت تدفّقه مع طنين خافت لا يعرف أحد مصدره، كأنه يأتي من أعماق الخيمة نفسها. أرنو بدأ يدندن لحن النشيد المعروف، ثم رفع صوته فجأة،
"أتعرفون؟ هذه الخيمة تذكرني بحلم راودني البارحة. كنت أسـ..." تلاشى صوته و أصوات الآخرين وارتفعت أصوات الماء و الهواء .. لاري، الذي كان ضبابيا.. يظهر في طرف عين جورجي كـشكل متوسط الحجم ،بصوت مائي
"هذا حلم سخيف ولا فائدة منه."
ضحك أرنو وهو يمرر يده على شعره المغطى بالصابون، ثم أمسك بالدلو الخشبي وسكب الماء على رأسه، غامرًا نفسه دفعة واحدة.
كان الماء يسيل على وجه جورجي، ثم ينحدر على ظهره، على صدره، ويغمر جسده كله ببطء، رفع عينه ليراقب البخار وهو يصعد حوله ويبتلع الأجساد المتحركة تدريجيًا. رأسه إلى الأعلى، وأغمض عينيه، تاركًا الماء يبلل باقي خصلات شعره الأحمر .. ترك كل ما يحدث.. كل ما كان يراه هو ظلهم المتحرك او شكلهم من زاوية عينه.. كانت اصواتهم مغبشة ، كما لو كان رأسه داخل نهر :
"جو... أفهمت؟ "
قالها لاري بنفاد صبر، ثم وقف، جذب المنشفة بحدة، وخرج بخطوات سريعة من الخيمة.. نظر إلى لاري الذي كان يهرول.. يتمتم جورجي لنفسه
"ماذا قال؟..هل كان شيء مهم يا ترى..."
قال أرنو، وهو ينظر إلى جورجي
"انت كنت شارد الذهن، أليس كذلك؟"
لم يجبه جورجي بسرعة... تنهد بعدها و قال
"هل سمعت ما قاله لي؟ "
، التفت ارنو إلى جورجي مبتسمًا:
"طبعا! لا يفوتني شيء عن أصدقائي.. قال انه سيذهب إلى السيد جوفري فلن يكون موجودا في التدريب" ثم ضحك أرنو بصوت مرتفع، وأدار ظهره وهو يهم بالخروج. جورجي بقي جالسًا للحظة أطول، وعيناه تتبعان البخار وهي تتلاشى في خيوط الضوء.
***
الخروج من خيمة الاستحمام كان أشبه بالأنتقال، فالخيمة من الداخل كانت معتمة،خانقة ، كأن جدرانها امتصّت الضوء و الهواء ولم تُرجعه. هواءها دافئ جدا، ورائحته مزيج من قماش قديم وماء رطب.
أما الخارج... فكان مشعًّا، الضوء ضرب عينيه لحظة عبور الستارة للخروج، وهج أبيض حاد، يُربك التوازن، ويصيب الرأس بطنين خفيف، احتاج لثوانٍ حتى تتأقلم عيناه، وأطرافه. أغمض عينيه نصف إغماضة، أخذ نفسًا عميقًا، رفع يده ليحجب بعض الضوء، ثم بدأ بالمشي عائدا إلى خيمته بخطوات هادئة، ممسكًا بالمنشفة بإحكام حول خصره، والهواء البارد كان يلسع جسده العاري، مشي فتح الستارة القماشية، وحده في الخيمة... لاري قد خرج للوصول إلى السيد دوبوا رئيس السيرك الذي ربما يكون قد وصل حتى الان، فـ هو متحمس دوما لمقابلة السيد دوبوا، و ارنو الذي ربما يكون قد ذهب للإشراف على التدريب مع انه غير ملزم بذلك مثل كل يوم.."دخل بخطى رتيبة إلى الخيمة المشتركة . كانت الخيمة قد استقبلت الكثير من الوجوه في فترات مختلفة. كل شيء فيها كان كما تركه: الفراش السفلي، الصندوق، السترة المعلقة، والمرآة الصغيرة المكسورة التي بالكاد يرى فيها نصف وجهه.
جلس على طرف الفراش، و احكم لف المنشفة حول خصره ليتأكد من ثباتها ، ثم تنفّس ببطء، قبل أن ينحني لفتح الصندوق وسحب ملابس التدريب: سروال اسود داكن وقصير الساقين، بدلة سوداء خفيف وبلا أكمام .
ارتدى ملابسه بلا استعجال، من الاعلى إلى الأسفل، ثم وقف أمام المرآة. شعره المبلل كان ملتصقًا بجبهته ووجنته. رفع يده، و بدأ يفكّ تشابكه بأصابعه أولًا، ثم سحب المشط الخشبي الصغير من الصندوق. مشّط خصلات الجانب الأيمن بهدوء، ثم مرّر المشط برفق على شعره المبلل من الخلف و بدأ بتجديل شعره من جديد، و دفع ضفيرته إلى جانبه الايسر،
عندما انتهى، اكتفى بدفع خصلة الشعر الطويلة على عينه اليسرى إلى الخلف، ليرتدي رقعة عينه السوداء ، لكنها سرعان ما عادت إلى مكانها، تغطي نصف وجهه كما اعتادت، لم يصلحها، تركها.
ثم التفت، وخرج، وجهته كانت التدريب، فالفطور لم يكن جزءًا من الروتين الأساسي ، بل خيارًا مفتوحًا. من أراد أن يأكل، ذهب إلى خيمة الطعام قبل التدريب، دون أن يُسأل أو يُمنع، لكن في تمام الساعة التاسعة على الجميع التواجد في مكان التدريب، ذهب المعظم إلى تناول شيء قبل التدريب، لكن جورجي نادرًا ما فعل، مع القليل من الأعضاء الآخرين، لم يكن جورجي يكره الطعام، ولا كان يتعمد التجويع. فقط... لم يكن هناك شيء يستدعي الأكل. لا جوع حقيقي، ولا رغبة حقيقية،
***
خطواته تسير وحدها، كما اعتادت كل صباح، في الدرب المحفوظ بين الخيام. الساحة الاولى
المكان المخصص للتدريب كان خلف خيام الأعضاء ، حيث يُفصل كل مجال حسب المهارة،
هنا، قسم النار:
أرضٌ رملية ، خالية من الأعشاب، محاطة بحلقات حديدية سوداء من أثر اللهب، وبعض أدوات الأداء الملقاة على الجوانب: عصيّ مشتعلة،كحول، سكاكين ملساء، وكرات زيتية تنتظر الاحتراق. جورجي لم يكن وحده. خمسة آخرون من فئته كانوا هناك، جميعهم يرتدون ملابس مماثلة، وجميعهم يقفون في صفٍ واحد دون أن يُطلب منهم. المدرب وصل بعد دقائق، طويل القامة، حليق الرأس، وعلى صدره ندوب واضحة كأنها تذكير دائم بعقاب قديم. اسمه "أليساندرو"، والجميع هنا يعرف، ألا يرفعوا أعينهم نحوه أكثر من ثانيتين. بإشارة واحدة من يده، تحرّك الصف، بدأ التمرين : رفع العصيّ، حمل الكرات، إشعال، تدوير، قذف في الهواء... ثم من جديد. جورجي أطاع، جسده يتجاوب بدقة، عيناه على اللهب، يده لا ترتجف، تنفسه مضبوط، لا كلمة، ولا تأفف. لكنه، في الداخل، لم يكن كذلك. في كل حركة، تسربت إليه صورة الحلم المتكرر كل ليلة، اليد التي اخترقت صدره، النسخة التي دخلته. كان يشعر وكأنه يتحرّك باسم شخص آخر، لا باسم جورجي.
النار قريبة من جلده، لكنه لم يشعر بالخوف... ، أليساندرو يصرخ على كل صغيرة ، لكنه لا يلتفت لانه يعرف انه ليس المقصود، هو دومًا يشاهد كيف يطيع، كيف ينحني، كيف يقدّم أداءً مثاليًّا... كما يُفترض،
وكما يُفترض، صمت، الوقت مضى بثقل. أليساندرو يراقب، يصحّح، ويصرخ حين يتطلب الأمر.
اللعب بالنار ليس عرضًا فنيًّا وحسب، إنه امتحان متكرر للطاعة والتركيز، جورجي كان يؤدي بحرفية.
حركاته سلسة، متقنة، النار تقترب من بشرته ولا تخدشها.
أليساندرو لم ينطق اسمه قط، وهذا بحد ذاته علامة على الجودة!
ثم حدث ما لا يجب أن يحدث. صرخة قصيرة. لهب انفلت من أحد العصي، وانزلق فوق كتف أحد المتدربين، فتى شاب، بالكاد تجاوز عامه الرابع عشر. ألسنة النار أمسكت بطرف شعره، ثم بدأت تلتهمه بسرعة. ضحك البعض،ألقى أليساندرو قطعة قماش مبللة عليه، آخر صرخ بنداء للطبيب بأمر من أليساندرو، أما جورجي الذي كان قد أنهى تمرينه في تلك اللحظة، لم يتحرك. ثم انحنى لالتقاط أدواته.. جثا على ركبتيه، اشغَل جسده بمسح عصاه بقماش مبلل بالزيت، كما لو أن المشهد خلفه لا يعنيه، لكنه لم يكن أعمى. رأى ظل الفتى وهو يتلوى، ورأى وجه أليساندرو، وجه لا يغيره حتى موت رفيق، ربما، فهذا لم يحدث. حتى بعد دقائق ،جورجي لم يستدر، لو فعل، كانت عينه ستفضحه، كان يعرف ذلك تمامًا.
نظراته لا تطاوعه دائمًا، وهي الشيء الوحيد الذي لم يتعلم كيف يخفيه جيدًا بعد.
"مسكين..."
قالها داخل نفسه، كمن يتلو صلاة لن يسمعها أحد.
"سيعاد تصنيفه. إهمال، كما يقولون."
صوت خافت، ومألوف، انسل من الخلف، بدا من قسم المهرجون:
"يا له من طفل مسكين..."
نبرة مرتجفة، مبللة لكنها ما لبثت أن اختفت، كما لو أنها لم تكن إلا صدى خافت سمعه في الهواء.
حادث كهذا، حتى لو كان صغيرًا، يُعد ضعف تركيز،
وسيُعاد تقييمه، ربما يُنقل من فئة الفنانين إلى مكان آخر ... و ياترى اين يذهب، لا أحد يعرف أين يذهب الفاشلون
انتهى التدريب بالنسبة له،أعاد أدواته إلى مكانها بعد تنظيفها، وقف، و صفّها بدقة، ثم كان عليه الانضمام إلى الآخرون الذين اكملو تدريباتهم و سُمح لهم بالذهاب، نعم، لم يُطلب من جورجي أن يختلط بهم، لكنه يعلم أن هذا متوقّع، مفروض، جزء من "المعادلة الاجتماعية" التي يتحدث عنها أحد المشرفين دائمًا بنبرة ملولة. لكنه لم يشأ هذه المرة،
، البعض الآخر كانوا لا يزالون تحت عيون المدربين، يتحركون بتعب مدجن. غادر ساحة التدريب دون أن يلتفت. الطريق نحو الخيام مع عرقه بسبب الحرارة التي تعرض لها سواء من الشمس او من تدربه على النار، يمر على الخيام المشتركة، بلون الخردل الباهت ، تراب خافت، وخيوط قماش ممزقة ترفرف بهدوء.
دخل خيمته، الضوء داخلها داكن، مائل للأصفر، لانه يضوى فقط بشمعه واحدة وصغيرة ، ورائحة القماش القديم ممزوجة ببقايا صابون، ملابس قديمة،
كان ينوي الجلوس على سريره، السرير السفلي، والتمدد قليلًا، حتى يتبخر صداعه الخافت،
لكن ارنو كان هناك، جالس على سرير جورجي، رأسه محني، وجسده مائل كمن انكمش على نفسه، السرير العلوي فارغ، لم يصعد إليه، ورغم أن جورجي لم يكن ينظر إلى ارنو مباشرة، لكنه لمح اللمعان في عينيه،تنهد خفيف يخرج منه
"البكاء، مجددًا" تمتم لنفسه
توقف عند مدخل الخيمة، ولم يتحرك لثوانٍ. شعر بشيء ينعقد في صدره، لم يكن غضبًا تامًا، ولا حزنًا. أقرب لشيء عالق... :
"هو مختلف، مزعج" تمتم لنفسه مجددًا
قال بصوت خافت وهو يزيح طرف الستارة عن المدخل
"اخبرتك ان لا تقترب من أشيائي الخاصة، كما أخبرت لاري، مهرج"
رفع أرنو رأسه ببطء، وابتسم، رغم احمرار عينيه.
"أ.. أعرف، لذلك... انا اسف... لكن السرير العلوي... "
ضحك ضحكة قصيرة، غريبة التكوين، كأنها خرجت من فمه قبل أن يستعد لها.
جورجي لم يرد. تقدّم خطوتين، وقف قرب السرير، لم يجلس. أرنو أكمل، وهو يمسح خده
"الأعلى.. قريب من سقف الخيمة... انه ضيق، إن قلبي يشعر بالثقل الآن ، ان ركبت للاعلى يمكن ان ينكسر"
لم يعرف جورجي إن كان هذا تهرّبًا أم صدقًا، لكن البكاء كان حقيقيًا، أو بدا كذلك، والابتسامة... مبتلة أكثر مما يجب. فكر لوهلة أن يشير إلى السرير الآخر، ليقول ببساطة إن هناك مساحة كافية. لكن الفكرة مرت في ذهنه، ثم انسحبت، دون صوت...
"أكثر بقليل؟ "طلب أرنو، وهو يرفع يده كمن يقسم على ألا يُطيل.
هز جورجي رأسه ببطء. لم تكن موافقة، ولا رفضًا. فقط حركة صامتة، كمن يرغب بإنهاء الحوار دون أن يترك صوته أثرًا في الهواء. ثم التفت نحو زاوية الخيمة، وجلس هناك بصمت، لم يفعل شيئًا سوى الانتظار، فالوقت كان قريبًا من نداء الغداء.
***
خرج جورجي من الخيمة مجددًا، وهذه المرة بدا المشي كأنه إعادة لما سبق : الضوء، الأرض الثابتة، الهواء الخفيف، كله يتكرر دون أن يترك أثرًا جديدًا في نفسه. إلى جانبه كان أرنو، صامتًا بشكل غريب. لا نكتة، لا تعليق ساخر. فقط خطوات تتكرر، وصوت الحصى تحت الأقدام يملأ الفراغ بينهما.
خيمة الطعام بدت كما هي دائمًا: خافتة الإضاءة، طويلة، وأصوات فيها تنبع من أناس يعرفهم بالأسماء والوجوه، لكن لا يربطه بهم شيء حقيقي. جلسا على الطاولة المخصصة لهم، تشارك بين أربع خيم كما جرت العادة. لم يكن هناك طعام بعد، بل انتظار بارد، وكلمات صغيرة متناثرة من بعض الجالسين.
أرنو شبك يديه على الطاولة، وأخذ يتأمل السقف القماشي وكأنه يبحث عن شكل ما في التجاعيد ، إلى ان أتى أعضاء الخيمة الاخرى ، عاد صخبه كالعادة.
أما جورجي، فجلس بهدوء، يضع يديه على ركبتيه، حدّق في الخشب أمامه دون تركيز. لا شهية لديه. التي لم تكن لديه منذ أيام، او ربما أكثر، لم يكن يعرف السبب في تغير كل اهتماماته و حتى شهيته . منذ أن مر جورجي بفترة مراهقته، قبل عامين، كان قد بدأ من حوله يتغيّرون. وجوههم، أجسادهم، أصواتهم... كأن شيئًا في الزمن ضغط عليهم دفعة واحدة. بعضهم صار صاخبًا، متفاخرًا، يركض نحو أي إثبات لنضوجه. وآخرون راحوا يتنافسون على من يُجيد جذب الانتباه أكثر، أما هو... فلم يحدث شيء خارجي يُذكر حقًا : لا صوت قد تغير كثيرا،لا ملامح قد تغيرت للحدة،لا سيقان تنمو بسرعة، وأشياء كثيرة كانت أبطأ من الآخرين... لكن داخله كان يتحرك، أسرع من الآخرين بعمره، مثل موجة صامتة لكنها قوية، في بحيرة لا أحد ينظر إليها. لم يكن منطويًا، لكنه لم يكن منفتحًا، تحدث للمهم. هادئًا بما يكفي ليُنسى، وحاضرًا بما يكفي ليُلاحظ عند الحاجة. الوقت لم يدفع جسمه للأمام بسرعة كما فعل مع البقية، لكنه منح قلبه حساسية غريبة للأشياء...
صار يرى التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت لها أحد بسهولة : تردّد الخطوات، تغيّر نبرة الصوت، ارتجافة أصابع اليد قبل أن تُشير. وهكذا... وجد نفسه بعيدًا دون أن يبتعد، داخلًا دون أن يهرب...و الآن حتى عامه السابع عشر، هو يبدو أصغر من الآخرين... ما زال نداء الغداء يتردّد في الساحة، قبل دقائق من بدء التوزيع، انضمّ لاري، بصوته المعتاد الذي يسبق خطاه، وجلس إلى جوار جورجي. قال شيئًا لم يسمعه جورجي جيدًا، شيء عن الطقس أو السعادة، وضحك لنفسه، ثم مال إلى الوراء بارتياح.
جورجي لم يعلق. ارتسمت على وجهه ابتسامة مترددة، لم تكتمل. لم يكن واثقًا إن كان عليه أن يرد، فأكتفى بالصمت. بقي جالسًا كما هو، بين انتظار أن يبدأ شيء... أو أن ينتهي...
بدأو بتوزيع الطعام بدقة. لكل شخص جالس،
الطعام اليوم: حساء دافئ، شريحة خبز .
كان الحساء بلا طعم كالمعتاد، لكنه كان بارد، على غير المعتاد.. : "أكان هذا خطأ من الطاهي" قالها جورجي لنفسه، وقد كان سيدع الكلمات تخرج وحدها، تلك الكلمات غير المصقولة التي تمر أحيانًا في حلقه فجأة، دون إذن
"هذا الحساء بارد"
أو: "بلا طعم مجددًا"
أو أسوأ: "متى ستتغير هذه الاطباق"
لكنه أسكت نفسه، كما يفعل كل مرة... إلا أن هذه المرة كانت مختلفة؛ تذكر شيئًا حدث منذ سنوات. كان ذلك اليوم يحمل نفس الوجبة، بنفس الرائحة، ونفس الهدوء الذي يسبق التوزيع، كان قد سمع همس أحد الفتيان الجدد الذي يجلس بالقرب من المساعد الواقف، بصوت خافت، بالكاد يُسمع، ربما لنفسه
"الحساء بارد و لا طعم له.."
جورجي رفع رأسه بتوتر غير ملحوظ، احد مساعدين الطاهي ابتسم و لم يفعل شيء، واكتفى فقط بكتابة شيء ما على دفتر الوصفات الصغير، الذي يحمله كل مساعد امام كل طاولة ..
مع عدم حدوث شيء.. و الهدوء الطويل، الجميع استمر في الحديث و تناول الطعام، جورجي تسائل :
" كيف له ان يقولها دون تردد، هل ما فعله صحيح.. هل له الحق في قول هذا "
لم تكن تلك الكلمات عادية، ليست مثل : "هل رأيتني" أو "في الليل سأقرأ" او تلك الأحاديث التي يتحدث الجميع بها لبعضهم، وفي اليوم التالي بعد نهاية الغداء رآى جورجي فتى الهمس. كان الفتى في الزاوية، وحده. وجهه شاحب، يتنفس بصعوبة، وقميصه مرقط ببقع صفراء، "مقزز" قالها جورجي في نفسه، فتح لاري عينيه جيدا.. وكان يبدو كما او انه استرجع بعض الذكرى
"لقد كانت وجبته من جهة الأسماء الرمادية"
قال لاري إلى جورجي، دون أن يرفع عينيه عن الفتى. جورجي ابتلع ريقه، الأسماء الرمادية تعني شيئًا واحدًا: "هذا الفتى قد اخطأ". عقوبة غير مكتوبة، طريقة ناعمة لتذكيرهم أن الأكل ليس وقتًا للكلام الخاطئ، و إلى الان جورجي لا يتحدث عن شيء أثناء الفطور، لانه لو أخطأ سيحدث له ما حدث للفتى،
***
رنت ملعقة لاري وهي تصطدم بخفة بحافة طبق جورجي. صوت معدني خافت، لكنه بدا كصفعة أعادته للحظة الحالية :
"جو ، ألن تأكل؟"
قالها لاري بصوت منخفض، ينظر إلى عيون جورجي، يقطع قطعة الخبز إلى نصفين، رمش جورجي ببطء، كمن خرج من غيمة كثيفة، ثم أعاد نظره إلى الحساء البارد الذي بدا أكثر برودة مما يجب. أمسك بالملعقة ورفعها ببطء، لكنه لم يضعها في فمه، اكتفى بتحريك السائل الباهت فيها. ومسح بيده الأخرى على صدره في نفس الوقت. لاحظ لاري اليد على صدر جورجي، ثم رفع نظره إلى وجهه ...
"هل أنت مصاب؟..." سأل بقلق واضح وصوت مهتز.
ظل جورجي يحدق في الملعقة كأنها مرآة صغيرة، تعكس صورة مشوّهة لعينيه، تتراقص فوق بقعة دهنية. ثم قال دون أن يرفع بصره
"لا، لست مصابًا..."
توقف لاري عن المضغ، وابتلع ببطء قبل أن يسأل مجددًا
"هل يؤلمك؟"
هز جورجي رأسه نفياً، ثم بعد لحظة قال بهدوء
"أنا فقط... أشعر بضيق... بضيق شديد..."
لم يفهم لاري، ربما، لكنه لم يواصل على السؤال. وقف بهدوء، واقترب قليلًا، ثم قال بلطف:
"هون عليك... لا تضغط على نفسك"
إلى جانبهما، كان أرنو يتحدث بنبرة ساخرة مع التوأمين الموسيقيين، جيانلوكا وجوليان، لكنه لاحظ توتر الحديث بين جورجي ولاري. فجأة قال أرنو، بدمعة تسقط من عينه
"جورجي!، أنا أعرف السبب. السبب نفسه الذي جعلني أبكي، على ما أظن!"
،وضع لاري نصف قطعة الخبز في كف جورجي
"جو، عليك أن تأكل، ولو قليلاً. التدريب يبدأ مجددًا بعد أقل من ساعة، كما تعلم." قال بحدة واضحة منزعجًا من صخب أرنو ، ثم خرج من الخيمة.
نظر جورجي إلى قطعة الخبز في يده، ورفع بصره نحو أرنو:
"لا، ليس بسبب هذا... لست مثلك." قالها بتوتر، مدركًا ما يعنيه أرنو، الفتى الذي أصيب أثناء التدريب. لسبب ما... زاد الثقل على صدره لأنه لم يكن بسبب ذلك. كما لو أن مشاعره لا تهتم الا بنفسه. واصل جورجي تحريك الملعقة ببطء، نظر إلى قطعة الخبز في يده، كانت أطرافها قد تيبّست أكثر. أخذ منها قضمة صغيرة، مضغها، وابتلعها ببطء وكأن شيئًا حادًا يمر عبر حلقه.
مد يده ليستند على الطاولة، ثم وقف، لكن جسده خان توازنه للحظة. ترنّح، كأن الأرض تحته تحركت، فعاد وجلس ببطء، وكأن التعب يشدّه إلى الأسفل. فأمسك بوعاء الحساء أمامه. مرّر يده على جانبه، فكان بارداً، كأنما تُرك في الخارج على صخرة باردة رغم أن الشمس كانت ساطعة. رفع الملعقة بتردد، تذوّق قليلاً، لم يكن الطعم مهمًا... هو فقط كان بحاجة لأن يأكل ..
***
خرج جورجي من خيمة الطعام ببطء، كما يفعل كل يوم بعد الغداء. الشمس لم تخفّ بعد، والضوء ما زال يلسع الجلد من شدّته. الطريق إلى ساحة التدريب الثانية كان مألوفًا حدّ التبلد. كل شيء فيه محفوظ: ملمس التراب تحت الحذاء، أصوات الأحاديث المتفرّقة، حتى الهواء المشبع برائحة العرق والمعدن.
كان هذا هو الجزء الروتيني الأسوأ في يوم جورجي... ليس لأنه مُتعِب أو مؤلم، بل لأنه يأتي في منتصف اليوم تمامًا. تلك الساعات : لا تنتمي لبدايةٍ حالمة، ولا نهايةٍ مُنتظرة. منتصف اليوم كفراغ طويل بلا ملامح ، لا يحدث شيء حقًا. لا أمل جديد بدأ، ولا شيء قد انتهى ليريحه، لم يتأفئف او يتململ،
كانت الأرضية مفروشة بطبقة خشنة من الرمل المضغوط، متشققة في بعض المواضع، تحيط بها خيام صغيرة متهالكة، بعضها مفتوح يكشف عن أدوات تدريب: حبال، وأوزان حجرية، وأطواق حديدية صدئة. في المنتصف، تنتصب خيمة العرض الكبيرة، بلونها القرمزي الباهت، أعلى من كل ما حولها وأشدّها رهبة. لا أحد يدخلها إلا مرة واحدة في السنة. مرة واحدة فقط، للتصفيات... كما يقولون.
الساحة الثانية الآن، فقد كانت تمتلئ بأصوات كثيرة بسبب اقتراب موعد البدء. موسيقى السيرك كانو يؤديها مدربين الموسيقى ، نغمتها مبهجة أكثر من اللازم. ضحك هنا وهناك، أحاديث خافتة بين بعض المتدربين ومدربيهم، صخب خفيف، وحركة مستمرة..
بعضهم يتهامسون بجدية. كان هذا التدريب لا يخص فئة دون أخرى، مختلفًا عن تدريب الصباح الذي مضى؛ ففي هذا الوقت، لا فرق بين لاعب نار ،مروض حيوانات، مهرّج ،أو بهلوان،
الجميع يتدربون على أشياء لا تمت لعروض الفئة بصلة... بل للجسد ذاته : التحمل، السرعة، اللياقة، التوازن، وما يليهم من اختبارات لا يُشرح سببها. كتدريبات عامة، تشبه التهيئة.
انضم جورجي إلى أول صف وقع عليه بصره. رفع رأسه قليلًا. المدربون منتشرون في كل الجهات: في الوسط، في المقدمة، عند الأطراف، وحتى في الخلف... يراقبون بلا توقف، كأنهم ينتظرون سقوط أحد حتى قبل البدء.
كما الأمس. وكما قبل الأمس، وما قبل قبله..
جورجي ثبت مكانه، إلى أن ضاقت رؤيته فجأة، كما لو أن الضوء انكسر من حوله.
ابتلع ريقه بصعوبة، ومعدته التوت بقوة جعلته يحني جذعه قليلًا. شيء مُرّ صعد إلى حلقه، لامس أسنانه الخلفية، ثم عاد ببطء... شعر بقطرات عرق باردة تزحف على جبينه، رغم أن الشمس لم تكن لاهبة بعد.
طنين خافت بدأ في أذنه اليمنى، ثم تصاعد... صار كصفير طويل، أغلق فمه بإحكام، وحاول التنفس من أنفه... لم يساعد. ضغط كفيه في جانبيه، وأغمض عينيه لثانية واحدة.
"جورجي!"
صوت مألوف. خفيف. ومُسرع. فتح جورجي عينيه، فوجد أرنو أمامه، حاجباه مرفوعان ويده أخذت تربت على ظهر جورجي، كانت يده خفيفة بطريقة ما
"ابقَ واقفًا! أنا هنا ، أنا سأنادي المدرب."
رفع أرنو يده فجأة، وكاد يصيح كعادته، لكن جورجي أمسك معصمه بقوة:
"لا" قالها بصوت منخفض، حاد، كأنها رجاء مشوب بالغضب. فتوقف أرنو.
نظر إليه، ثم أنزل يده ببطء، وانحنى نحوه، كان حزينًا
"حسنًا... حسنًا. فقط تنفس ببطء، لكن كما تعرف ، من في رتبتنا يمكنه اخذ استراحة بين حين و آخر"
ثم لا شيء جديد.. الصفوف تتحرك، الأوامر تتكرّر، الأجساد تنفذ... وجورجي نفذ أيضًا: قفز، حمل، ركض، دار، ثم عاد لمكانه. وكرر . كانت حركاته دقيقة، بلا تردد، بلا تفكير...
في نهاية التمرين، حين بدأ العرق يثقل الظهر والأوامر تتداخل كأنها صفارات في رأسه، حدث ما لم يكن متوقَّعًا، ستار خيمة العرض في المنتصف فُتحت. ومنها، بدأ عدد من الأشخاص يدخلون واحدًا تلو الآخر.
وجوه مألوفة كانت قد اختفت منذ شهر أو أكثر ، جميعهم من أولئك الذين غادروا سابقًا برفقة السيد هوغو، شقيق السيد دوبوا، كانوا يسيرون بصمت، عيونهم مرفوعة، ظهرهم مستقيم، كما لو كانو فخورون وواثقون.
بدأ الهمس، لكنه اختنق سريعًا تحت نظرات المدربين.
جورجي لم يعلّق، لكن نظره تعلّق على وجوه العائدين الذين تعلو على وجوههم الفرح الشديد رغم الانهاك.
"عاد السيد هوغو؟" مرّت الفكرة مثل نسمة حذرة.
"ربما جاؤوا ليأخذوا بعضنا معهم أيضًا؟... ربما العروض القادمة؟"
وجد في ذلك احتمالًا مريحًا. ليس لأن الفكرة مطمئنة تمامًا، بل لأنها بدت أقل توترًا من الجهل. ثم، سُمع صوت غليظ ينادي من داخل الخيمة. كان النداء رسميًا، بنبرة لا تقبل التأخير.
أوقف الجميع حركتهم، وتحوّلت الساحة فجأة إلى بركة هادئة . بدأت الأسماء تُتلى :
"أرنو، جون، جورجي.."
توقف الزمن عندها، أو هكذا شعر. شد عضلاته لا إراديًا، ثم نظر بسرعة إلى المدرّب في الجهة المقابلة، لكنه لم يجد تلميحًا لأي شيء ...
"أنا؟" قالها في داخله، مشوشًا،
"هل استحق هذا؟، لست الأفضل لأستدعائي.. انا في السيرك المتنقل؟..."
كان جورجي قد تحرك دون أن ينظر حوله. لم يتأكد إن كان أحدهم ينظر إليه، لكنه شعر كأن الجميع يفعل ، بدأ يستمع إلى وقع الخطى فوق الأرضية المستوية كي لا يفكر في نظراتهم، حين...
ركض ظلٌ بسرعة من أمامه، قبل أن يشعر بثقل مفاجئ على كتفه.
"هاااه!"
ترنح خطوة إلى الخلف، كأن الأرض تحته قد مالت فجأة، وقبل أن يتوازن، ظهر لاري فوقه تقريبًا، ضاغطًا بكفه على كتفه، وابتسامة واسعة تملأ وجهه :
"جو!" صوته كان عاليًا بشكل مزعج، ومبتهج أكثر مما ينبغي،
"تخيّل! نحن من بين المختارين!"
كان يلهث قليلًا من الركض، لكنه لم يتوقف عن الابتسام.
عيناه كانتا تضيقان من شدة الفرح، في وجهه ملامح طفل صغير حصل على لعبة كان ينتظرها لوقت طويل. أما جورجي...نظر إليه فقط. وفي داخله، شيء كان يصرخ، و يريده أن يصرخ. كان يريد أن يقول "أنا سعيد"، أن يعانقه، أن يضحك مثله...
"سعيد... سعيد جدًّا... إلى حدّ البكاء" قال بصوت بالكاد يُسمع، لاري كان قد التفت قبلها ليخبر الجميع و يتفاخر، ويقفز في كل مكان، أما جورجي، فقد اكتفى بالنظر إلى الأرض، وشعر أن قدميه صارتا أثقل من المعتاد، كأن شيئًا غير مرئي يشدّه للأسفل.
"أنا سعيد."
قالها في داخله بصوتٍ خافت، أقرب إلى رجاءٍ خجول منه إلى تصريح.
لكن وجهه لم يتفق مع صوته الداخلي. انزل رأسه وعبس بلا وعي، وحاجباه تقاربا كما لو أنه يتألم.
وسقطت دمعة صغيرة على الأرض، مفاجئة، خفيفة كأنها نبتت من مكان لا يدركه.
وقف هناك، مطأطئ الرأس، بين الضجيج ،الركض ،الحزن ،والفرح الذي يملأ الهواء، كأنه لا ينتمي لأيٍ من ذلك. وفي قلبه، نبض حار وغامض... فرح يشبه الحزن، أو حزن يشبه الفرح.. كلاهما يعيشان داخله في اللحظة نفسها، ولا يعرف أيهما يُصدِق .
لكنه اختير.
وهذا وحده يكفيه ليمضي،
حتى وإن لم يكن متأكدًا مما يمضي إليه...
ملاحظات الكاتب
رأيكم مهم لي ! ⭐️
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا