أول ما تبدأ كمبتدئ، من الطبيعي أن تتعرف أكثر على العالم الذي جذبك وتغوص في جماله، وتلمس قوته وسحره. كيف تتم صناعة القصص المصورة؟ نعم، صناعة، لأن الإبداع الذي وصل إليك لم يكن عشوائيًا، بل كان نتاج جهد ووقت وتنظيم دقيق.
القصص المصورة أخذت أشكالًا متعددة بناءً على ظروف تطورها وبيئاتها المختلفة، ولكل شكل نكهته الخاصة:
أشكال القصص المصورة:
الكوميكس (Comics): وهو الشكل الغربي للقصص المصورة، مثل أعمال مارفيل ودي سي. نظرًا لقدمه، فقد كان يُنشر في البداية كملحق مع الجرائد والمجلات العامة، مصممًا على امتداد صفحتين وغالبًا يكون ملونًا. ومع الوقت، تطور ليحصل على مجلاته الخاصة، وحرصًا على تقليل التكاليف، أصبح يُطبع على قياس A5. وغالبًا ما تناولت هذه القصص تصنيفات مثل الأكشن والرعب والغموض وأبطال خارقين، وكانت تجذب القراء اليافعين خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية في أمريكا وبريطانيا.
المانجا (Manga): وهو الشكل الآسيوي، وتحديدًا الياباني، للقصص المصورة. بخلاف الكوميكس، تُقرأ من اليمين إلى اليسار وغالبًا ما تُنتج بالأبيض والأسود وتفاصيل الرسم فيه بسيطة و واضحة وهذا ما جعل المانجكا (راسامين المانجا) يستطيعون الانتاج بكميات هائلة ومعدلات سريعة.
الويب تون (Webtoon): وهو الشكل الكوري للقصص المصورة، والذي نعتمد عليه في "فنك" لدعم القصص المصورة العربية. نشأ هذا الشكل مع انتشار الإنترنت وانهيار النشر الورقي في كوريا بسبب زيادة التكاليف وضعف الشراء والعوائد، مما دفع الكوريين لتغيير الأسلوب الكلاسيكي للرسم من الصفحات إلى النشر الرقمي الشريطي من الأعلى للأسفل، ليتماشى مع تصفح الهواتف الذكية.
بالمناسبة، لم يكن هذا هو شكله منذ البداية؛ الجيل الأول كان يعتمد على صور ممسوحة ضوئيًا تُرفع كما هي. ثم جاء برنامج الفلاش الذي أتاح استعراض الصور دون التنقل بين الصفحات، وبعدها بدأ الفنانون بالرسم الرقمي المباشر لسهولة الرفع والتلوين. ثم تحوّل العرض من أفقي إلى طولي، فبدأ الفنانون يقللون عدد الإطارات ويتوسعون في الرسم، لتصبح الصور متصلة بدلًا من منفصلة، وهذا ما نراه في شكله الحديث اليوم.
ميزة الويب تون تكمن في سهولة وسرعة انتشاره وإنتاجه، مقارنة بالطباعة والنشر الورقي. فهو متاح في أي وقت عبر الإنترنت، والنشر لحظي، ويمكن أن يكون مصدر دخل حقيقي للمبدعين.
معرفتك بهذه الأشكال من القصص المصورة تساعدك في فهم أين تميل أكثر، وما يناسب طريقتك في الحكي والرسم، بما يتماشى مع هدفك.
التصنيفات (Genres):
وهنا نصل إلى الجزء الجميل من الحكاية كلها، لأنه لا أحد يملي عليك ماذا تفعل. لا يوجد صواب أو خطأ، فالتصنيفات يمكن أن تُدمج ببعضها، وإذا كنت مبدعًا، يمكنك حتى دمج المتناقضات، مثل:
كوميدي + رعب (مثل: سكوبي دو).
أبطال خارقون + ضحك (مثل: ون بنش مان).
رومانسي + رياضي + كوميدي (مثل: سلام دانك).
وليس فقط سياق القصة هو ما يمكن الإبداع فيه، بل حتى أسلوب الرسم. خذ مثلًا "Ousama Ranking"، أنمي حطم التوقعات. رسمه طفولي، لكن قصته ملحمية، وبطله ليس فقط بدون قوة خارقة، بل لديه إعاقة في السمع والكلام. والأجمل أن الكائن الذي يرافقه، والذي يبدو كشيطان، هو في الواقع أحنّ شخصية في القصة.
الأهم من كل ذلك: ألا تُرهق نفسك بالتقيد بتصنيف واحد لا تخرج عنه. ابدأ بالتصنيف الذي تستمتع به، حتى لو لم يكن شائعًا، لأن الشغف هو ما سيجعلك تستمر. ومع الوقت، يمكنك تجربة تصنيفات أخرى ودمجها بطريقتك الخاصة.
المهارات هي أدواتك الحقيقية:
في هذا السياق، المقصود بالأدوات ليس الأقلام والأوراق أو البرامج. الأدوات هنا هي مهاراتك، وللأسف أو ربما لحسن الحظ، لا يمكن شراؤها. يجب أن تكتسبها بالعمل والتجربة.
لكن لا تنتظر حتى تنضج هذه المهارات لكي تبدأ. ابدأ بما لديك، وبالأفكار التي في بالك، حتى لو لم تكن مكتملة أو لا ترقى لمستوى طموحاتك. الأهم أن تبدأ، وتتعود على النشر والتعامل مع الجمهور. الوقت والممارسة كفيلان بصقل تلك المهارات.
طريقة صناعة الكوميكس
1. حدّد الفكرة وآمن بها
كل القصص تتشكل من أفكار، وأفضل طريقة لحفظ هذه الأفكار أن تكتبها. احتفظ دائمًا بدفتر تُسجّل فيه خواطرك، المحادثات، المواجهات التي تتخيلها، وحتى الاسكتشات.
2. اكتب القصة أولًا
رغم شعورك بالحماس للبدء بالرسم، اجبر نفسك بكتابة القصة أولًا، حتى لا تتوه وسط الأفكار أثناء الرسم. تحديد القصة في البداية يعطيك تصورًا واضحًا للإطارات والمشاهد التي سترسمها، ويقلل من التناقضات، ويمنح العمل تماسكًا أكبر.
عند كتابة القصة، فكّر في النقاط التالية:
الأجواء والمزاج العام: في أي زمن تقع القصة؟ (العصر الفيكتوري؟ العصور الوسطى؟ العصر الحجري؟ العصر الإسلامي؟ العصر الحديث؟)
المكان: هل تدور القصة في جبال؟ مدينة؟ صحراء؟ قرية؟ ساحل؟
الشخصيات: هل لها ماضٍ؟ أم أنها مكتملة وواضحة الدوافع؟
الحبكة: هل تتبع القصة المسار الكلاسيكي؟ (مقدمة - تصاعد - ذروة - حل)
الفجوات: هل هناك معلومات ناقصة قد تُربك القارئ؟
منظور الرواية: من يروي القصة؟ البطل؟ الشرير؟ الراوي؟ صديق البطل؟
التطور: كيف تتغير الشخصيات وتتعلّم عبر الأحداث؟
3. تعرّف على الحرفة
ركّز وابحث في كيفية عمل الرسامين المحترفين. ما الأساليب التي يتبعونها؟ ما التقنيات التي يستخدمونها؟ ولماذا اختاروا ما اختاروه؟
اسأل نفسك: ما الذي يجذبك في أعمال الآخرين؟ ادرسها، وحاول تقليدها بأسلوبك.
اختر كوميكس أو مانجا تحبها، وافتح أول 5 صفحات فقط:
كيف بدأت القصة؟
كيف تم تقديم الشخصية الأولى؟
هل هناك حركة؟ حوار؟ صمت؟
سجل ملاحظات بسيطة، وحاول تطبيقها بطريقتك.
4. خطّط لكيفية إخراج العمل
الآن أنت على وشك البدء بالرسم. ارسم مسودة تتأكد فيها من وضوح المشاهد:
هل يفترض أن ينتهي المشهد هنا؟ أم يحتاج المزيد من الإطارات؟
هل المحادثات مناسبة للمشهد؟ هل النص كثير أم قليل؟ حجمه؟
إذا لاحظت خطأ ما، لا تضيّع وقتك في التعديل، بل تخلّص من المخطط وابدأ من جديد. من الأفضل أن تخطئ في هذه المرحلة بدلًا من اكتشاف الخطأ بعد التحبير، مما يعني فشلًا مؤلمًا.
ابدأ بإطارات بسيطة، فعملية التكرار ستجعلك أكثر مهارة ووضوحًا.
كل خطأ يرسم طريقك للأفضل.
5. حدّد قواعد الرسم
كثير من المبتدئين يضيعون شهورًا في تصميم شخصية مثالية قبل كتابة القصة. لا تفعل ذلك. ابدأ بالفكرة، ارسم شخصية مؤقتة، ومع الوقت ستتطور.
ابدأ بأسلوب رسم بسيط وغير معقد. فالقصة تحتاج جهدًا للإنتاج، فلا تستهلكه في تفاصيل ثقيلة تُبطئ التقدّم.
وستُفاجأ في النهاية أن الإطارات الأخيرة لقصتك أفضل بكثير من الأولى، لأن مهاراتك تكون قد تطورت حينها.
6. ارسم
مراحل الرسم هي كما يلي، في أي وسط (ورقي أو رقمي):
الرسم الأساسي.
التحبير (تحديد الخطوط).
التلوين (إن وُجد).
التنصيص (كتابة النصوص داخل الفقاعات).
انشر
وهنا نصل إلى الخاتمة، والتي منها تبدأ الاستمرارية.
لماذا النشر مهم؟
يمنحك دفعة نفسية عندما ترى من يقرأ عملك.
يساعدك على رؤية عيوبك من زاوية الآخرين.
يتيح لك بناء جمهور مبكرًا.
يعلمك كيف تطور عملك من التعليقات البنّاءة.
النشر لا يعني أنك محترف... لكنه أول خطوة تقول بها للعالم:
"أنا بدأت... وسأستمر."
ابدأ بما لديك، لا تنتظر الكمال.
كل فكرة هي بداية طريق. كل صفحة تُكمل الحكاية.
القصص العظيمة تبدأ من سطر... أو حتى من رسمة في دفتر.